الصفحة 58 من 285

الثالثة: أن معرفة الله تعالى بدليل إجمالي يرفع الناظر من حضيض التقليد عرض عين على جميع المكلفين.

وإليه أشار بقوله: لوجب عليهم ومعرفته بعقولهم، مشيرا إلى أنه أول الواجبات المقصودة بالذات.

الرابعة: أن في تخصيص نسبة الوجوب في مقام البيان بمعرفة الله تعالى، وما يتوقف عليه دون الشرائع، إشارة إلى أن الحسن وكذا القبح لعدم الفاصل عقلي في البعض: أي يدرك العقل حين بعض الأشياء وقبح بعضها بدون السمع لا كلها كما قالت المعتزلة، كما في التعديل والتبصرة والكفاية والاعتماد وغيرها.

فالعقل يدرك به في البعض بالضرورة، كالعلم بحسن الصدق النافع، أو بالنظر كحسن الصدق الضار، ولا يدرك به في البعض كحسن صوم آخر يوم من رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال، فإنه إنما يدرك بالشرع، وزعم المعتزلة أنه كاشف عن حكم العقل في ذلك.

الخامسة: أن الحسن في ذلك بمعنى تعلق المدح والثواب، كما هو المتبادر من الوجوب، فالوجوب والحرمة العقليان بمعنى جزم العقل باستحقاق المدح والثواب والذم والعقاب، عند الصانع إجمالا؛ لأن معرفة كيفية ذلك وكون الثواب بالجنة والعقاب بالنار إنما يثبت بالسمع كما في التوضيح، وهذا هو المتنازع فيه بالنسبة إلى العباد، وبمعنى كون الفعل بحيث يترتب عليه عاقبة حميدة أو لا يترتب بالنسبة إليهن، وإلى الخالق تعالى من المتنازع، لكنه تعالى لا يفعل القبيح الخالي عن العاقبة الحميدة كالكذب ونحوه لحكمته، كما في التعديل و التبصرة والتسديد وغيرها.

وأما الحسن والقبح بمعنى كون الشيء ملائما للطبع ـوالغرض أو منافرا له، وكونه صفة كمال أو نقصان، فعقليان اتفاقا من الكل [1] .

السادسة: أن في عدم تعيين المدة إشارة إلى عدم تعيينها؛ لأن عدم البيان في محل الاحتياج إليه بيان للعدم، كما دلَّ عليه قوله تعالى: (( أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ) ) [فاطر:37] ؛ لأن لفظة (ما) عبارة عن مدة التذكر والاستدلال، وإبهامها بلا بيان دليل على عدم تقدرها بمقدار معلوم للعباد، فقدر مدة التذكر مفَّض إلى الله تعالى لتفاوت العقول، كما في التقويم للإمام أبي زيد. @

(1) انظر: المواقف (2/ 20) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت