صفحة 63
بقوله عز وجل: {فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران: 97) .
قوله: ( {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) .).
إنما ذكر ذلك عقب نفي الحاجة عنه؛ لأنه نص محكم لا احتمال فيه، وهو شامل لنفي جميع صفات المخلوقين وسمات المحدثين، ومثبت لصفات المدح والكمال، فلو كانت صفات الأفعال محدثة كما زعمت الأشاعرة للزم أن تكون [صفاته مثل] [14] صفات المخلوقين في الحدوث، والمماثلة منتفية بالنص.
صفحة 63
في معنى القَدَر والكلام في علمه تعالى
قوله: (خلق الخلق بعلمه وقدّر لهم أقدارًا) .
هذا الكلام لبيان أن كل أمر يجري في العالم فهو بتقدير الله عز وجل [سُئِل أبو حنيفة عن القدر، فقال: قد بين الله تعالى ذلك، وقرأ قوله تعالى: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر: 49) ، فما بقي في العالم شيء إلا وهو داخل فيه] [1] .
ثم القدر على وجهين:
أحدهما: الحدُّ الذي يخرج عليه كل شيء على ما جعله عليه من خير وشر وحسن وقبح وحكمة وسفه، وهو تفسير الحكمة، وهو جعل كل شيء على ما هو عليه ولائق به.
والوجه الثاني: هو بيان ما يقع لكل شيء من خير أو شر وما له من الثواب والعقاب.
قوله: (وضرب لهم آجالًا) .
هذا تحقيق بأن الأجل المضروب لكل واحد منهم مبرم محكم لا يحتمل التقدم
حاشية
[1] ولا يلزم من قدم السمع والبصر قدم المسموعات والمبصرات، كما لا يلزم من قدم العلم والقدرة قدم المعلومات والمقدورات؛ لأنها صفات قديمة تحتث لها تعلقات بالحوادث.
[2] التكوين: هو مبدأ إخراج المعدوم من العدم إلى الوجود. وهو صفة لله تعالى لإطباق العقل والنقل على أنه خالق للعالم مكون له، وامتناع إطلاق الاسم المشتق على الشيء من غير أن يكون مأخذ الاشتقاق وصفا له قائما به.
ويستدل على أزلية التكوين بأدلة: الأول: أنه لو لم تكن أزلية لكانت حادثة وهو ممتنع لامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى. الثاني أنه لو كان حادثًا، فإما بتكوين آخر وهذا بتكوين آخر إلى ما لا نهاية، فيلزم التسلسل، وهو محال. ويلزم منه استحالة تكون العالم وهو باطل أيضًا لأنه مشاهد. وإما بدونه فيستغني الحادث عن المحدث والإحداث، وفيه تعطيل الصانع.
الخلاف في صفة التكوين: مذهب الماتريدية أن صفات الأفعال من خلق ورَزْق وإحياء وإماتة وغيرها صفات قديمة، وترجع كلها إلى صفة التكوين، وهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى يتأتى بها الإيجاد والإعدام على وفق الإرادة، فإن تعلقت بالحياة سميت إحياءً، وإن تعلقت بالوجود سميت إيجادًا، وإن تعلقت بالرزق سميت ترزيقًا أو رَزْقًا بفتح الراء إلخ. والدليل على هذه الصفة عند الماتريدية: أنه قد ثبت أن الله سبحانه هو مكون الأشياء، وكونه تعالى مكون الأشياء دون أن يكون متصفًا بصفة التكوين محالٌ ضرورةَ استحالةِ الأثر من دون مؤثر، ودليلهم على أن هذه الصفة قديمة أنه لو لم تكن قديمة لكانت حادثة، ويستحيل أن تكون حادثة لاستحالة قيام الحوادث بذاته تعالى.
ملحوظة: أورد السعد في شرح المقاصد ما محصله: أن الماتريدية أطبقوا على أزلية التكوين وعلى مغايرته للقدرة، وعلى كون التكوين غير المكوَّن، وعلى أن أزلية التكوين لا تستلزم أزلية المكوَّن.
أما مذهب الأشاعرة فهو: أن صفات الأفعال حادثة؛ لأنها تعلقات القدرة، وتعلقات القدرة كلها حادثة. فالتخليق هو القدرة باعتبار تعلقها بالمخلوق، والترزيق هو القدرة باعتبار تعلقها بإيصال الرزق إلخ. قال الكمال في (( المسايرة ) ): وما ذكروه _يعني متأخري الماتريدية_ في معناه لا ينفي هذا ولا يوجب كونها صفاتٍ أخرى لا ترجع إلى القدرة المتعلقة بما ذكر، وإلى الإرادة المتعلقة بذلك، ولا يلزم في دليل لهم ذلك، وأما نسبتهم ذلك للمتقدمين ففيه نظر، بل في كلام أبي حنيفة رضي الله عنه ما يفيد أن ذلك على ما فهم الأشاعرة من هذه الصفات على ما نقله الطحاوي قال _أي الطحاوي نقلا عن أبي حنيفة_: وكما كان بصفاته أزليًا كذلك لا يزال عليها أبديًا، ليس منذ الحلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، له معنى الربوبية ولا مربوب، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وكما أنه محيي الموتى استحق هذه الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم، ذلك بأنه على كل شيء قدير اهـ، فقوله _أي قول أبي حنيفة_ (( ذلك بأن الله على كل شيء قدير ) )تعليل وبيان لاستحقاق اسم الخالق قبل المخلوق، فأفاد أن معنى الخالق قبل الخلق، واستحقاق اسمه بسبب قيام قدرته عليه _أي: على هذه الخلق_ فاسم الخالق ولا مخلوق في الأزل لمن له قجرة الخلق في الأزل، وهذا ما يقوله الأشاعرة والله الموفق. اهـ بتصرف يسير. قلت: قد يجاب عن تعليل أبي حنيفة المذكور بأنه أراد أن يشير إلى أزلية صفة التكوين برغم حديث المكوَّن بلفت النظر إلى أنه تعالى قدير في الأزل رغم حدوث المقدورات، فلا يمتنع أن يكون مكونًا في الأزل رغم حدوث المكونات.
قال السعد في (( شرح العقائد ) ): والحاصل في الأزل هو مبدأ التخليق والترزيق والإماتة والإحياء، وغير ذلك. ولا دليل على كونه _أي: التكوين_ صفة أخرى، سوى القدرة والإرادة. فإن القدرة وإن كانت نسبته إلى وجود المكون وعدمه على السواء، لكن مع انضمام الإرادة يتخصص أحد الجانبين…. والتحقيق أن تعلق القدرة على وفق الإرادة بوجود المقدور لوقت وجوده إذا نُسب إلى القدرة يسمى (( إيجابًا ) )له، وإذا نُسب إلى القادر يسمى (الخلق ) ) و (( التكوين ) )ونحو ذلك. فحقيقته: كون الذات بحيث تعلقت قدرته بوجود المقدور لوقته، ثم يتحقق بحسب خصوصيات المقدورات خصوصيات الأفعال كالترزيق والتصوير والإحياء والإماتة وغير ذلك إلى ما لا يكاد يتناهى.
[3] أي مصونات عن الزوال. قالصاحب (( بدء الأمالي ) ):
صفات الذات والأفعال طرًا…قديمات مصونات الزوال.
[4] (( الخلق ) )مصدر قد يطلق ويراد به اسم الفاعل كالعدل بمعنى العادل والزور بمعنى الزائر. أو يراد به اسم المفعول (( كالخلق ) )بمعنى المخلوق.
[5] الفرق بين القديم والأزلي على ثلاثة أقوال: الأول: القديم: الموجود الأزلي الذي لا أول له، والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون وجوديًا أو عدميًا. وعليه فإن عدمنا أزلي لا قديم، وذات الله تعالى قديم وأزلي. وصفة العلم مثلا أزلي وقديمة. الثاني: القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون عدميًا أو وجوديا قائمًا بنفسه أو قائمًا بغيره. وعليه فذات الله عز وجل أزلي قديم، أما صفاته كالعلم فيقال أزلي، ولا يقال قديم. الثالث: هما مترادفان. وعليه كل ما سبق مثاله قديم وأزلي. والحاصل أن الذات قديم أزلي على كل الأقوال، أما الصفات فهي أزلية على كل الأقوال، قديمة على كل من القولين الأول والثالث، ويمتنع وصفها بالقدم على القول الثاني، لأنها لا تقوم بنفسها بل تقوم بغيرها وهو الذات.
[6] في (أ) قديمات.
[7] تزعم المعتزلة أنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له، إلى غير ذلك، وهو محال ظاهر، بمثابة قولنا: أسود لا سواد له.
[8] أي: ما أُخِذَ منه الاشتقاق وهو الصفة القائمة بذاته تعالى.
[9] لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه؛ لأنه لو قبل العدم لكان ممكنًا فلا يكون واجبًا وهو تناقض؛ ولأن القديم واجب وإلا لا يكون قديمًا.
[10] في نسخة أخرى: بعد.
[11] جاء في هامش (أ) : قوله الأشاعرة، لأن الأشاعرة قالوا: إن القدرة متعلقة متعلقة بتعلقين: صَلُوحيٌّ قديم، وصَلوحي حادث، هذا ما قالوه في تعلق الصفات.
[12] أي الماتريدية رضي الله عنهم وعن الأشاعرة.
[13] ما بين المعقوفتين ساقط في (ب) .
[14] ما بين المعقوفين ساقط في (ب) .