صفحة 55
المكلفين لا لحاجته، إذ النفع عائد إليهم، وهو لا يتضرر بترك ذلك، وإنما حُمِل على ذلك لئلا يلزم الخلف في خبر الله؛ لأنا نعلم أنهم ما عبدوه بأسرهم.
(رازق بلا مؤنة) .
أي: يرزق الخلق بلا كسب ولا علاج ولا استعانة بسبب؛ لأن جميع مراد الله يحصل بتكوينه على ما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (النحل: 40) ، فلا تلحقه المؤنة والكلفة في ذلك لكمال قدرته.
قوله: (مميت بلا مخافة) .
أي: مميت الخلائق، ولا يلحقه بذلك خوف ووحشة، فإن وجودهم وعدمهم بالنسبة إليه سواء، إذ هو العزيز القهار المنفرد بالدوام والبقاء.
قوله: (باعث [2] بلا مشقة) .
وذلك لأن الله خلق العالم بلا مشقة بالتكوين على ما قال: {إِنَّمَا قَوْلُنَا} الآية، فيتعالى في البعث والإعادة عن لحوق المشقة، إذ الإعادة أهون من الإنشاء، وإليه الإشارة بقوله: {وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} (الروم: 27) ، وبقوله: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ} (ق: 15) ، أي: ما عجزنا بالخلق الأول فكيف نعجز بالخلق الثاني، وبقوله: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} (الأنبياء: 104) ، وقوله: {إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} (يونس: 4) ، و [قال] جوابًا لمن أنكر البعث: {أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (77) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ (79) } يس: 77 - 78 - 79)، إلى أن قال: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ