صفحة 53
يعلمون أنهم كانوا أمواتًا نُطَفًا سُلّت من صلب الرجل وترائب الأنثى، ثم صارت النطفة في قرارٍ مكين في ظلمات ثلاث، انقطع عنها تدبير الوالدين [2] ، فدلهم على ربوبيته آثار صنعه إذ لا صنع إلا بالصانع، ودلهم على معرفة حكمته وعلمه بآثار الإتقان والإحكام بقوله: {فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} أي: أحسن تركيبها منتصبا قامتها غير منكسة [3] ، وأبدع في بدنكم من القرن إلى القدم أشياء يتحير العقل بإدراك كنه حسنه، وركب فيكم العقل الدارك. ثم ذكرهم بنعمه عليهم فيما تقوم به أنفسهم فقال: {وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ} (غافر: 64) أي: من أطيب ما أخرج من الأرض؛ لأنه أخرج نباتًا مختلفًا [فجعل أطيبه وألينه للبشر، وسائره رزقًا للدواب] [4] .
ثم قال: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ} (غافر: 64) أي الذي صنع لكم هذا هو ربكم لا رب سواه.
ثم قال: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} (غافر: 65) علمهم الاستدلالَ أن الفعل المحكم لن يأتي إلا من حي قادر عالم، وأن مَن ينسبُ مثل هذه المصنوعات إلى ما ليس بحيٍّ يكون مجنونًا خارجًا عن عِداد العقلاء، وكما يُستدل بالفعل المحكم على كونه قادرًا يستدل به على كونه حيًا؛ إذ الحياة شرط لثبوت القدرة، وفي قوله: هو {هُوَ الْحَيُّ} إشارة إلى أنه هو الحي المطلق الذي حياته بذاته، وإلى أن حياة غيره عارضةٌ مستفادةٌ من فَيضه فهُم أحياءُ بحياةٍ هي مِن غيرهم فلذلك يَحِل فيهم الموتُ بآفة، فأما حياته بذاته، فيستحيل أن يحله الموت؛ إذ الواجب بذاته أزلي لا يزول، وإليه الإشارة بقوله سبحانه وتعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ}