صفحة 49
من المعتزلة كالنَّظَّام [6] من أنه تعالى لا يوصف بالإرادة حقيقة بل مجازًا؛ لأن الإرادة هي الشهوة، وهو محال على الله.
ونحن نقول: معنى الإرادة عندنا: (( هي الصفة التي توجب اختصاص المفعولبوجه دون وجه، وفي زمان دون زمان ) )، إذ لولا الإرادة لوقعت الممكنات في وقت واحد على هيئة واحدة، فلما خرجت المفعولات على [الترادف] [7] والتوالي، وعلى النظام والأوصاف، وعلى الهيئات المختلفة والأوصاف المتباينة على ما اقتضته الحكمة البالغة، كان ذلك دليلا على اتصفا الفاعل بالإرادة، إذ وقوع هذا الاختلاف لم يكن من اقتضاء ذواتها، فعلم أن ذلك لإرادة الفاعل.
و [أما] قولهم: (( الإرادة شهوة ) )، فذلك تلبيس منهم، لنفي الصفة عن الله، لأن الشهوة إرادة مخصوصة، وهي إرادة ما فيه نفع المريد، والله غني مطلق لا تكون إرادته اشتهاء بل ربوبية، والإرادة مشتقة في اللغة من (( الرود ) )وهو الطلب، ولهذا سموا طالب الكلأ رائدًا، ومنه المثل: (( الرائد لا يكذب أهله ) ).
مخالفته تعالى للحوادث
قوله: (لا تبلغه الأوهام، ولا تدركه الأفهام) .
حاشية
[1] قال العارف بالله الإمام ابن عطاء الله السكندري: (( إلى المشيئة يستند كل شيء، ولا تستند هي إلى شيء ) ).
[2] الإرادة صفة من صفات الله تعالى، وهي صفة يتأتى بها تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه، وترادفها المشيئة. والرضا والمحبة سواء، ومخالفان للإرادة والمشيئة. فالله تعالى قد يريد الشيء ولا يرضاه ككفر الكافر، يريده بدليل وجوده منه، (وكل شيء كائن أراده) ، لكن لايرضاه ويحبه: {وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} (الزمر: 7) . وقد يرضاه ولكن لا يريده كإيمان من مات كافرًا، وعلامة كونه غير مراد أنه لم يقع. وقد يريده ويرضاه كإيمان المؤمن. وقد لا يريده ولا يرضاه ككفر من مات على الإيمان، وعلامة كونه غير مراد أنه لم يقع، فبين الإرادة والرضا عموم وخصوص وجهي؛ فيجتمعان في نحو إيمان المؤمن، وتنفرد الإرادة في نحو كفر الكافر، وينفرد الرضا في نحو إيمان الكافر الذي لم يؤمن. قال اللقاني: مذهب أهل الحق أن كل ما أراده الله تعالى فهو كائن، وكل كائن فهو مراد له تعالى وإن لم يكن مرضيًا له ولا مأمورًا به، هذا ما اشتهر عن السلف (( ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ) )، وخالفت المعتزلة في الأصلين. اهـ. واعلم أن الرضا: هو قبول الشيء والإثابة عليه، وأن (( الأمر ) )و (( الرضا ) )متلازما، فالله تعالى لا يأمر إلا بما يرضاه.
[3] دليل ثبوت صفة الإرادة له سبحانه الآيات الناطقة بإثباتها لله تعالى، مع القطع بلزوم قيام صفة الشيء به، وامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى. وأيضًا: نظام العالم ووجوده على الوجه الأوفق الأصلح دليل على كون صانعه قادرًا مختارًا.
[4] ما بين المعقوفتين زيادة من عندنا اقتضاها السياق.
[5] أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن محمود الكعبي البلخي العالم المشهور، كان رأس طائفة من المعتزلة يقال لهم (( الكعبية ) )، وهو صاحب مقالات، ومن مقالته المشهورة ما ذكر المصنف: (( أن الله سبحانه وتعالى ليست له إرادة، وأن جميع أفعاله واقعة منه من غير إرادة ولا مشيئة منه لها ) ). وكان من كبار المتكلمين، وله اختيارات في علم الكلام، وتوفي مستهل شعبان سنة (713 هـ) ، انظر: (( وفيات الأعيان ) ) (2/ 45) .
[6] شيخ المعتزلة، أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، مولى آل الحارث بن عباد من بني قيس بن ثعلبة الضبعي البصري المتكلم، صاحب تصانيف، تكلم في القدر، وانفرد بمسائل، وهو شيخ الجاحظ، وكان شاعرًا أديبًا بليغاُ، وله كثب كثيرة في الاعتزال والفلسفة ذكرها ابن النديم. مات في خلافة المعتصم سنة (231 هـ) . انظر (( سير أعلام النبلاء ) ) (10/ 415) .
[7] ليست في: (ب) .