صفحة 47
قوله: (دائم [5] بلا انتهاء) .
لَمّا ثبت أنه تعالى قديم ثبت أنه دائم، إذ القِدَمُ ينافي العدم، وإنما قال: (دائم بلا انتهاء) ليعلم أن دوامه ليس بمتعلق بالزمان لانتهاءه، وهو معنى قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ} (الحديد: 3) ، أي: الأول بذاته، والآخر بذاته غير متعلق بزمان [6] .
وإنما وَصَفَ نفسه بهذا لئلا يُفهَمَ من أوليته وآخريته ما يُفهَم من أوليه وآخرية غيره، إذ غيره يوصف بهما بواسطة وقوعه بالزمان السابق واللاحق بالذات.
(لا يفنى ولا يبيد) .
أي: لا يتلاشى ولا يهلك، وإنما جمع بين اللفظتين تأكيدًا لدوامه وبقاءه، وقيل: أراد بالأول: نفي تلاشي الذات، وبالثاني: نفي بطلان الحياة والصفات؛ لأن ذلك في ذاته وصفاته محال؛ لقدمه الثابت بذاته، لكونه واجب الوجود بذاته، وما بالذات لا يزول.
[ (ولا يبيد) أي: لا ينقطع بقاؤه، يقال: بادت القبيلة إذا انقطعت. انتهى] [7] .
حاشية
[1] القدم ثلاثة أنواع: الأول: القدم الزماني كقدم الأمس بالنسبة لليوم. الثاني: القدم الإضافي كقدم الأب بالنسبة للإبن. والثالث القدم الذاتي وهو ما لم يُسبَق بعدم، وهو المراد في حقه تعالى، بل هو وحده المتصف بذلك النوع من القدم.
[2] محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم. من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب، وُلِد سنة 467 هـ، وُلد في زَمَخْشَر (من قرى خوارزم) . وسافر إلى مكة فجاور بها زمنًا فلُقِّب بجار الله. وتنقل في البلدان، ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفي فيها. أشهر كتبه (( الكشاف ) )- ط في تفسير القرآن، و (( أساس البلاغة ) )- ط و (( المفصل ) )- ط. وتوفي سنة 538 هـ. الأعلام 7/ 178.
[3] الحَوْلُ سنة بأسرها، وحال الشيء: أتى عليه حَوْلٌ.
[4] جاء في هامش: (ب) : في شرح العلام الشيخ عبدالغني الغنيمي الميداني: قديم قدمًا ذاتيًا بلا ابتداء، أي: ليس مسبوقًا بعدم وإلا لزم الدور والتسلسل، وكلاهما محال كما هو مقرر، وخرج بقيد (( الذاتي ) ): القدم بالزمان، كأمس بالنسبة لليوم، والإضافي كالأب بالنسبة لولده، والقدم صفة سلبية أخص من الأزل، لأن القديم موجود لا أول له، والأزلي ما لا أول له أعم من أن يكون وجوديًا كذات مولانا عز وجل، أو عدميًا كعدمنا الأزلي. جاء في حاشية للباجوري أيضًا: قال: فاعلم أن لهم في القديم والأزلي ثلاثة أقوال: الأول: أن القديم هو الموجود الذي لا ابتداء لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدميًا أو وجوديًا، فكل قديم أزلي ولا عكس. والثاني: أن القديم هو القائم بنفسه الذي لا أول لوجوده، والأزلي ما لا أول له عدميًا أو وجوديًا قائمًا بنفسه أو بغيره، وهذا الذي يُفهَم من كلام السعد. والثالث: أن كلاًّ منهما ما لا أول له عدميًا أو وجوديًا قائمًا بنفسه، وعلى هذا فهما مترادفان. وعلى الأول الصفات السلبية لا توصف بالقِدَم وتوصف بالأزلية بخلاف الذات العلية والصفات الثبوتية فإنها توصف بالقدم والأزلية. وعلى الثاني باقي الصفات مطلقًا لا توصف بالقدم وتوصف بالأزلية، بخلاف الذات العلية فإنها توصف بكل منهما. وقِدَمُ الذات هو عدم افتتاح الوجود، وإن شئت قُلت: هو عدم الأولية للوجود، وأما القِدم في حقنا فالمراد به الزمان، أي: طول الزمان، وحُدَّ بِسَنَة، فإذا قال: كل من كان من عبيدي قديمًا فهو حُر، عُتِقَ مَنْ له سنة.
[5] جاء في هامش: (ب) : (دائم) أي: باق (بلا انتهاء) أي: ليس ملحوقًا بالعدم المعبر عنه بامتناع طروء العدم على وجوده تعالى؛ لأن مَنْ ثَبَتَ قِدَمهُ استحالَ عدمُه، والبقاء صفة سلبية أيضًا، وقد أردفها على طريق التعبير والتأكيد بقوله: (لا يفنى) أي: لا يزول بقاؤه، يقالك فني الميت إذا زال وذهب أثرُه. اهـ.
[6] الزمان والمكان من خلق الله تعالى، فالله سبحانه لا يوصف بهما، وإلا لزم قدم الزمان والمكان، أو أن تكون ذاتُه تعالى محلًّا للحوادث، وكلاهما محال. فالحاصل أنه سبحانه متعالٍ عن الزمان والمكان، والله كان ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان.
[7] ما بين المعقوفتين ساقط في (أ) .