صفحة 44
مراد أحدهما دون الآخر وهو دليل عجز من لم يُنْفِذ إرادته، والعاجز لا يصلح إلهًا [4] .
وهذا دليل التمانع المأخوذ من قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} (الأنبياء: 22) .
تفصيل في الوحدانية ونفي الشريك
وقوله: (لا شريك له) .
أراد بذلك نفي أنواع الشركاء، إذ الاشتراك في اللغة هو التسوية.
وهو إما في الذات، كما قالت (( الثنوية ) )حيث أثبتوا للعالم صنعين: خيرًا ويسمونه (( بزدان ) )، وشرًا ويسمونه (( أهرمن ) )وكذا الطبائعية والأفلاكية.
وإما في التسمية واستحقاق العبادة كما صنع مشركوا العرب حيث عبدوا مع الله الأصنام وسموها آلهة، فصاروا مشركين مع إقرارهم بأن الله تعالى هو الخالق، باعتبار عبادتهم غير الله، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (لقمان: 25) .
وإما في الوصف كما زعمت (( المجسمة ) )حيث وصفوا الباري بالصورة والجسمية، والتمكن على العرش على مثال البشر تسوية منهم بين الله وبين خلقه، فصاروا بذلك من جملة المشركين، وقد نزه الله نفسه الكريمة عن جميع ذلك حيث قال: {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الطور: 43) ، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} (المؤمنون:91) .
(ولا شيء مثله) .
هذا إثبات لكمال ذاته في الأزل بنفي النظير والمماثلة، قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الشورى: 11) ، وهذا محكم في هذا المعنى، فيحمل عليه جميع الآيات المتشابهة التي تمسكت بظواهرها (( المشبهةُ ) ).
حاشية
[1] الاحتمال الآخر أن يتوافقا وهو باطل؛ لأنه يلزم منه اجتماع مؤثرين على أثر واحد، أو أن أحدهما لا يقدر على الإيجاد منفردًا، فلا يكون إلها لأنه عاجز، والثاني مثله.
[2] الضدان هما: الأمران الوجوديان اللذان بينهما غايةُ الخلاف (ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر على القول بالتفريق بين الضدين والمتنافيين كالأبوة والبنوة) ومثالُ الضدّين: البياض والسواد، والضدّان لا يجتمعان أبدًا، فلو قُدّر وجودُ أحدهما لزم ارتفاعُ الآخر، لكنهما قد يرتفعان معًا.
[3] وهو محال
[4] والثاني مثله، فيلزم عجزه أيضًا