ربكم ادعوني أستجب لكم [1] ، فكل هذه ليست من السنن ولكن من الحقائق الإيمانية." [2] "
والضابط في المسألة أن التفريق بين ما هو من صميم السنن وما ليس كذلك سهل ميسور طالما استحضرنا انصراف السنة إلى معنى القانون على النحو الذي سبق بيانه، إذ الملحظ الدقيق الذي ينبغي التنبه إليه هو أن الحديث عن السنة يعني الحديث عن ترابط حتمي لمجموعة من الشروط بمجموعة من النتائج، بحيث أن توفر نفس الشروط يؤدي إلى تحقق نفس النتائج، لأن السنة"تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول" [3] .
وتكمن أهمية التمييز- في هذا المستوى من الدراسة- بين ما هو من السنن وما يشتبه بها دون أن يكون منها في انعكاسه المباشر على تحديد مظان السنن المبثوثة في القرآن الكريم؛ فتحديد المقصود بالسنة بشكل يمنع دخول ما ليس منها فيها هو الخطوة التمهيدية والأولية التي سيتبين في ضوئها ما يصلح أن يكون مظنة لمباحث هذا"العلم"وما لا يصلح أن يكون كذلك. ومنه فلاينبغي للباحث أن يشرع في دراسة السنن المبثوثة في القرآن أو يحاول استنباطها ومعالجتها ما لم يكن عمله هذا مندرجا في إطار متسق يبدأ بوضع تعريف دقيق للسنن تتحقق من خلاله ماهيتها، ويبرز على أساسه الفرق بينها وبين كل من الحقائق الإيمانية والصفات الإلهية، والوعد والوعيد، والقيم والمقاصد والأحكام الشرعية والمبادئ العامة.
تنقسم سنن الله في هذا الوجود إلى قسمين، قسم خاص بسنن الله في الكون، وآخر خاص بسننه في المجتمعات. فأما السنن الكونية فهي نواميس الله تعالى وقوانينه الأزلية التي تضبط حركة المخلوقات من أجرام وكواكب ومركبات وغيرها-كل ذلك في تكامل وانسجام، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة- بحيث يؤدي
(1) سورة غافر، من الآية 60.
(2) محمد هيشور، سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، ص 12.
(3) ابن تيمية، مجموع الفتاوي، ج 13، ص 20.