وجاء في سبب نزول هذه الآية ما ذكره ابن جرير في تفسيره (17/ 542) عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال:"بينا أنا أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حَرَّة بالمدينة، إذ مررنا على يهود، فقال بعضهم: سَلُوه عن الروح، فقالوا: ما أربكم إلى أن تسمعوا ما تكرهون، فقاموا إليه، فسألوه، فقام فعرفت أنه يوحى إليه، فقمت مكاني، ثم قرأ (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا) فقالوا: ألم ننهكم أن تسألوه؟!"
ويلاحظ في جواب هذا السؤال الذي سأله هؤلاء أنه كان جوابًا مقتضبًا وذلك - والله أعلم - لسببين: إما لأنهم ليسوا أهل للإجابة، أو استصغارًا وانتقاصًا لهم لكون عقولهم لا تستوعبه. وذلك كما لو سأل الطفل عن شيء فوق مداركه لصُرِف عن جوابه لصغر عقله وضعف استيعابه، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن هذا الجواب الموجز فيه تنبيه على عظم المسؤول عنه، وأنه من أمر الله في جميع شؤونه وماهيته وأحواله وليس للبشر فيه يد.
وقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - في كتابه (الروح ص 153) أن الروح في القرآن جاءت على عدة أوجه:
أحدها: الوحي. كقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ... } .
الثاني: القوة والثبات والنصرة. كقوله تعالى: {أُوْلََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيّدَهُمْ بِرُوحٍ مّنْهُ} .
الثالث: جبريل. كقوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرّوحُ الأمِينُ} .
الرابع: المسيح عيسى عليه السلام. كقوله تعالى: {إِنّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىَ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مّنْهُ ... } .
وذكر بعض المفسرين قولًا خامسًا وهو: أن المراد بالروح ملك عظيم ذكروا في أوصافه أمورًا منكرة لا يثبت منها شيء.
هذه أربعة أوجه جاءت في القرآن الكريم ليس منها معنى الروح بأنه نفس الكائن الحي. وإنما تلك جاءت بلفظ النفس فحسب.
لكن بعض العلماء ومنهم ابن كثير في تفسيره (5/ 116) رجحوا أن المراد بالروح التي سأل عنها اليهود هي النفس. فعلى هذا تكون الروح بمعنى (النفس) مذكورةً في القرآن.