قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ... } .
وقد جاء في سبب نزول هذه الآية ما رواه أبو داود والترمذي وصححه الألباني عن عمر بن شرحبيل أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الْآيَةَ، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي النِّسَاءِ
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ فَنَزَلَتْ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ إِلَى قَوْلِهِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا.
والسؤال هنا واضح قطعًا أنه سؤال استرشاد وتعلُّم، والملاحظ أن الله تعالى أخبر أنهم {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} فهل هم يسألون عن ماهيتها أي أنهم لا يعلمون ما هي؟ الجواب بالطبع: لا؛ لأن الخمر شيء ألفوه وعرفوه لكن السؤال عن حكمها، فالتقدير: يسألونك عن حكم الخمر والميسر.
واقتران الخمر بالميسر في السؤال وشمولهما في الجواب يدل على أن بينهما عاملًا مشتركًا، ولعله - والله أعلم - ما يحدث فيهما من البذل والفخر، ولعلَّ مما يعضد ذلك أن الآية التي جاءت بعد هذه الآية مباشرة هي آية الإنفاق {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ... } أي أن الإنفاق يكون بطيب نفس وتسامح وهو ما زاد على الحاجة، وهو ليس كالإنفاق على الميسر؛ لأنه إنفاق إلزامي ألزموا به أنفسهم فيما أقروه من نظام محرَّم في المال المقامر به.
ومما هو معلوم أن الجواب عن الخمر والميسر جاء في هذه الآية كبداية للتدرج في الوصول إلى الحكم بالتحريم القطعي، فكان ذلك من حكمة الله تعالى البالغة حيث إن الخمر مما ألفته العرب ونشأت عليه فكان تركهم لها جملة واحدة فيه عسر ومشقة؛ ولذلك راعى الله ذلك فجعل الحكم متدرجًا، وهو الحكيم الخبير.
قال تعالى: { ... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} .