الصفحة 24 من 25

والحواريون من صلحاء بني إسرائيل فليس سؤالهم تشكيكًا في صدق نبوءة عيسى، ولا في قدرة الله تعالى، وإنما زيادة في اليقين والإيمان، ولهذا لمَّا استعظم عيسى عليه السلام سؤالهم فقال: {اتّقُوا اللّهَ إِن كُنْتُم مّؤْمِنِينَ} أجابوه بما يدل على إيمانهم {قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} .

وأما قولهم {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبّكَ} فليس تشكيكًا في قدرة الله وإنما توجيه الكلام على ما ذكره جمعٌ من المفسرين يكون على أحد الوجوه التالية:

أحدها: أن معنى الاستطاعة (الإمكان) ، أي هل يمكن أن ينزل علينا مائدة من السماء، وذلك لأنه سؤال على غير العادة، ولم يطلبه أحد قبلهم، فهم مستبعدون أن الله يجيب طلبهم هذا.

وأما إضافتهم لفظ (الرب) لعيسى - عليه السلام - فهو تكريم لعيسى وتحقيق لشدة الرغبة في إجابتهم طلبهم؛ لأنهم يعلمون قوة صلة عيسى بربه - عز وجل - وسرعة استجابة الله لعيسى - عليه السلام - أكثر منهم.

ونظير هذا ما جاء في الدعاء:"اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل ..."مع أنه رب الجميع.

الثاني: أن المقصود هل تستطيع يا عيسى أن تسأل ربك ... ،ويؤيد هذا قراءة {هل تستطيع ربَّك} ، أي: سؤاله.

والملاحظ في الإجابات السابقة التي جاءت على قصد التثبت واليقين أن الجواب جاء مفصلًا شاملًا فيه الدليل العملي والبرهان الساطع على قدرة الله تعالى؛ لأن المقام يتطلب ذلك.

سادسًا: أسئلة التفخيم والتهويل

وهذا أسلوب من أساليب البلاغة العربية، حيث يصاغ الكلام في أسلوب استفهام لا يراد منه الجواب؛ بل لأن المسؤول عنه ليس في علم المسؤول وليس بوسعه الإجابة عنه، ولكن يوجه إليه السؤال إظهارًا لعجزه، وبيانًا لفخامة المسؤول عنه وعظم شأنه وتهويل أمره. ومن أمثلة ذلك.

1 -قوله تعالى: {الْحَاقّةُ (1) مَا الْحَآقّة (2) وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْحَاقّةُ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت