بدوام الخطأ فيه، وهذه البطانة مع كونها تكتم الحق أن يصل إلا أنها تربي سيدها على العصمة، والنفوس التي لا تسمع نقدها ولو بالباطل، هي النفوس المتكبرة، وحينما يقابلها مصلح ليناصحها تتضجر وتأنف، وتسيء الظن به، ولا تحب إلا تلك البطانة التي لا تسمعها إلا ما تحب وتهوى.
وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم بطانة تخبره بما يقال فيه ولو سوءًا، ففي الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله! فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فتمعر وجهه وقال: رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر.
وقد بوب البخاري على هذا الخبر بقوله: (باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه) ، وكثيرًا ما تتكرر أخطاء العالم بسبب أنه لا يسمع ممن حوله إلا ذكره الحسن، ومن لا يحب إلا سماع ما يحب ولا يصبر على سماع التخطئة له ولو بالحق، فضلًا عن سماع الباطل فيه، ينفّر منه البطانة الصادقة، وتجتمع عليه البطانة الأخرى فتعرف هواه فتعطيه ما يُحب.
وأصلح الأحوال للعالم أن يُبصر الحقائق بنفسه، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولو صلحت بطانته، لأن أخذ الحقائق بواسطة يختلف عن الأخذ بالنفس، لأنه لا يُمكن أن تستوي النفوس في تقدير الحقائق تقديرًا متطابقًا من جميع وجوهه وصوره، ولذا كثيرًا ما تكون أحكام العالم قاصرة بسبب البعد عن المشاهدة لما يحكم عليه، وكذلك مشاهدة غيره له، وبروزه بنفسه للناس مؤثر، فالصادق لصدق قوله أثر على وجهه، يدركه أدنى الناس فعن الحارث بن عمرو السهمي قال: «أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمنى -أو بعرفات - وقد أطاف به الناس، فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك» أخرجه أبو داود.