الصفحة 17 من 17

وربما يتغير حكم الإنسان في الشيء الذي سمع به إذا شاهده، والمخالطة لا تعني دوام مجالسة الشر، فالمخالطة هي التي يصدر بها العالم عن معرفة تامة ولو كانت عارضة، وأما التي تدوم فهي التي تؤثر على الطبيعة البشرية بمؤالفة المخالَط وتقبُّله مهما كان منحرفًا، ولذا منع الله من تلك المخالطة بقوله تعالى: (فلا تقعدوا معهم) وعلل ذلك بقوله: (إنكم اذًا مثلهم) .

يجب على الإنسان أن يصنع لنفسه ساحة عريضة من الناس مختلفة الطبقات، يرى منها أحوالهم التي ينزّل عليها خطابه، فإنه إن جهل ذلك اختلت قيمة خطابه غالبًا، وأثره في الناس، فالتدرج في نزول أحكام الإسلام كان بسبب مناسبة الخطاب لأحوال المخاطبين، وذلك محل تسليم أن سببه حاجة الناس وإدراكهم، فما كل حق يصلح لكل مخاطب به.

والعالم الذي يرمي بقوله في وسط الناس ولا يعرف أحوالهم وفهمهم وفكرهم ونفوسهم، كمن يرمي بنفسه من مكانٍ مرتفع ولا يدري أين تقع رجلاه، ويجب عليه أن يعرف أحوال الناس كما يعرف الأرض التي ينزل عليها برجليه، فسلامة قواعد الدين والدنيا أولى من سلامة قواعد الأبدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت