ثانيًا: التعظيم لأعمال العالم القاصرة عن قدرته التي يستطيع أكثر منها، فيرضى ويركن إلى قليل ما عمل، مع الغفلة عن عظيم ما ضيع، لأنه في حقيقته لم ير ما ضيع كما هو، وإذا رضي الإنسان بقليل فعله، أجحف في حق المخالف له، ولم يحسن الظن به، وربما ظن به التحامل والحسد والتربص.
وكثيرًا ما تقع الخصومة بين العلماء والدعاة بسبب اختلال قيمة عمل بعضهم عند بعض عند نازلةٍ معينةٍ، فربما يرى أحدهم أن غيره بالغ في قول حق ما وغلا فيه، بينما الحق أنه معتدل وغيره مقصر، وربما العكس لأن أحدهم جهل قيمة الحق الذي قاله الآخر آو قوة أثر الباطل الذي أزاله.
وكثيرٌ من العلماء ُيدركون حقائق الأشياء والتفاضل بينها، ولكن يعجزون عن الانشغال بالفاضل، وإدراكهم ذلك يحملهم على السكوت عن المخالف المنشغل بالحق الفاضل، ويرون أنه يُسقط التكليف عنهم، فيحمدون الله على أن وقاهم من عقوبة السكوت عن بيان الحق، كما كان كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين زمن محنة أحمد، أدركوا فضل عمل أحمد فقصروا عنه، ولم يحملهم انفراد أحمد بعمل أن يقعوا في ذمه والطعن في عرضه، لأن من أخطر كوامن النفوس البشرية أنها ترى انفراد غيرها بما تعجز عن قوله وفعله يتضمن إزراء بالعاجز، وتفرُّد القائم بالحق بحمد الناس وثنائهم يتضمن تفويتًا لسمعة الساكت، وكلما استمر قيام الجريء بالحق زاد من وقع الأذى على نفس الساكت، حتى يحمل النفوس الضعيفة الساكتة على الوقيعة بالقائم بالحق، لأنها ترى أن الوقيعة فيه يتضمن تبرأةً لها، فالصورة الظاهرة خلافٌ في إظهار الحق، وفي الباطن انتصارٌ للنفس.
ثالثًا: المداومة على الخطأ وسبب ذلك أن البطانة لا تنقل إليه نقد الناس له، والبطانة السيئة هي التي تزن بقاءها بإرضاء العالم إو السلطان ولو