الصفحة 14 من 17

عاقبته، فيكون هذا حاجبًا عن الوصول إلى الحق الأصلح، وهو أعظم طرق إبليس في الدخول على العلماء والصالحين، وحينما يُنكر عليهم أحدٌ الغفلة وترك الفاضل يُرجعونه إلى فضل المفضول في ذاته، وهذا أمر ليس من مواضع الخلاف.

وجهل العالم بالمقدار الفارق بين الأعمال والأقوال المتفاضلة مشابه لوقوع العامي بالمعاصي، بل ربما وقوع العالم بالمفضول الصالح وترك الفاضل الأصلح أشد إثمًا من معاصي العوام، لأن كلًا من العالم والعامي يؤاخذ على مقدار ما يعلم من تبعات فعله، والعالم لو دقق فيما بين المفضول والفاضل من خير يفوت وشر يتحقق، لكان أبصر من العامي في معرفة شر إثمه.

وقد يُدرك بعض العلماء الفارق بين الفاضل والمفضول ولكنهم لا يدركون مقدار الحاجة إليهما، بسبب ضعف المشاهدة لأحوال الناس، وضعف البطانة عن إيصال مراتب حاجة الناس للأمرين.

ولذا ترى بعض المنتسبين إلى العلم مع صدق نياتهم، يغفلون عن حاجة الناس ونوازلهم، فتضعف حاجة الناس إليهم وتعلقهم بهم تبعًا، ومباشرة الناس وتتبع أحوالهم منهم أمر لا بد منه لبقاء منزلة العالم، فثبت عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه يستغل اجتماع الناس لصلاة الجمعة فيسألهم عن أحوالهم، وهو على المنبر، فروى ابن المنذر وابن حزم عن موسى بن طلحة بن عبيد الله يقول: رأيت عثمان بن عفان جالسًا يوم الجمعة على المنبر والمؤذن يؤذن وعثمان يسأل الناس عن أسعارهم وأخبارهم.

ومن لم يعرف أحوال الناس ونوازلهم، ومقدار ما يعانونه من هموم، تحدّث بالحق القاصر الذي يوجد أولى منه، وتسبب ذلك برفض الحق الذي يأتي به، وربما سقطت هيبته، ولا يعني هذا أن يكون العالم كما يريد الناس ويهوون ولكن يجب عليه أن يعتني بدنياهم ليعتنوا بالدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت