للحال قصور في العلم يتبعه قصور في الاختيار وهذا أمر معلوم بالحس، ولهذا قال تعالى مبينًا منزلة المعاينة على الإخبار: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ(ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) ، وفي الحديث: (ليس الخبر كالمعاينة) .
والمعاينة تُكسب العالم معرفةً يميز بها الصفات المكتسبة والجبلية، فبطانة العالم هي التي تُعينه في إيصال رسالته كما يُريد الله منه، وأما اتخاذ البطانة التي تُسلّي وتُدخل السرور فهي بطانة العامة والسلاطين والملوك، والبطانة التي تُعين على الطاعة الذاتية بطانة العباد والزهاد، يُختار لها أهل الديانة فقط
سابعًا: كثيرًا ما تؤثر البطانة على المصلح الذي يرجى منه إصلاح للأمة، إما أن تثبطه أو تطغيه أو تغره، والتفوق في الصلاح والديانة والعبادة فقط ليس معيارًا وحيدًا يقاس به صلاح الخلطاء للعالم، فهذا يصلح للعوام الذين يريدون سلامة ما يصل إليهم والحفاظ على ما هم فيه من مكتسب، حذرًا من الشبهات والشهوات، وأما العالم فيريد سلامة ما يصل إليه وسلامة ما يصدر منه للناس، وهذا لا يصلح له كل صالح في نفسه.
ومن المشكلات أن لا يكون ثمة تفريق بين حاجة العالم إلى بطانات متعددة، تُعينه في صلاح نفسه وصلاح غيره، فالنبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حذيفة أمينًا لسره مع وجود أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم وهم أفضل منه بالاتفاق، ولكن لخصيصة جِبليّة عرفها النبي صلى الله عليه وسلم في حذيفة مع صدق الجميع في الصحبة، وهذا لا يكون إلا مع طول مخالطة ومعاشرة للناس حتى يختبر أحوالهم، فيُقدم الأصلح ولو أحب غيره أكثر منه، لأنه صاحب رسالة يُريد أن تصل، فمصلحته مع رسالته المحمولة أكثر من حاملها.