إحسان على الإنسان إلا وله ثمن لا بد أن تؤديه اليد أو اللسان أو القلب أو جميعها، ولو آجلًا فينبغي للعلماء الحذر من عطاء من لا يرجو الله، ولن يستطيع أحد كبح نفسه عن دفع ثمن الباطل، إلا أولي العزم وأشباههم من العلماء ففرعون طالب موسى بثمن إحسانه القديم فأمره أن يترك الحق، قال تعالى على لسان فرعون لموسى: (ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين) ربّوه أربعين سنة، ولكن أبى أن يدفع ثمنها السكوت عن الحق، فضلًا عن دخول في الباطل.
وقد قال بعض المفسرين إن الذي ربى موسى هو والد فرعون الغريق، وليس هو الغريق نفسه، ومع هذا طالب الابن بالفضل القديم الموروث من أبيه.
وأخفى أثمان عطاء المفسدين للمصلح السكوت عن أخطائهم، فتتبايع القلوب ولا يشهدها إلا الله.
ولا بد للعالم من معين له في دنياه، لا يرجو ثمنًا لفضله عليه إن أعطاه مالًا أو حماه ومكن له كما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه بطانة له فكان أبو بكر يعطي النبي صلى الله عليه وسلم وتطيب نفس النبي بالأخذ، ويقول في آخر مطاف الرسالة كما في الصحيح: (إن أمَنَّ الناس علي في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا خليلا من الناس لاتخذت أبا بكر خليلًا) .
سادسًا: البطانة التي لا تُصنع تَصنع، وإذا لم يتخذها العاقل اتخذته، ولا يتم انتظام الحياة والمجتمعات إلا بعلماء ساسة، ولا تتم رسالتهم إلا بالبطانة الصالحة.
واختيار البطانة لا يكون إلا بمخالطة الناس، ومعرفة مشاربهم واختبار عقولهم ودينهم وأخلاقهم وطبائعهم، فلا تتمحص البطانة وتتميز وتصطفى عن غيرها إلا بمخالطة الناس، فالسماع المجرد عنهم بلا رؤية