البعيدين عن الهداية، وهذا تناقض لا يُقبل، والعالم الصادق ليس له عينان يُبصر بهما المال والجاه، لأن بصره لا يقع على الأرض، وإنما الإخلاد إلى الأرض دأب العالم الذي لم يتداركه الله برحمته وتوفيقه (ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض) والقلوب هي التي تخفض وترفع، وإن كذب اللسان.
والعالم الذي يأنف من الأمر والنهي الصادق، ليس بوريث صادق للنبوة، بل هو وصف المضادين لرسل الله ورسالاته {فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين} ، روى الخطيب في تاريخه عن عبد الرحمن بن مهدي قال: كنا في جنازة فيها عبيد الله بن الحسن وهو على القضاء فلما وضع السرير جلس وجلس الناس حوله قال فسألته عن مسألة فغلط فيها فقلت أصلحك الله القول في هذه المسألة كذا وكذا إلا أني لم أرد هذه إنما أردت أن أرفعك إلى ما هو أكبر منها فأطرق ساعة ثم رفع رأسه فقال: إذًا أرجع وأنا صاغر إذًا أرجع وأنا صاغر لأن أكون ذنبًا في الحق أحب إلي من أن أكون رأسًا في الباطل.
واستعمال لفظ الأمر والنهي، بدلًا من لفظ الإعانة والتسديد، إشارة إلى عدم الترفع عن قبول التوجيه والنصح والتصحيح، ولا يلزم من أمر النبي بالمعروف ونهيه عن المنكر أن يكون قد ترك المعروف ووقع في المنكر، بل المقصود تثبيته وتأييده وتصبيره لأنه بشر.
وما اتخذ عمر بطانته من القراء الفقهاء إلا لتقويمه، قال ابن عباس كما في البخاري في وصف عمر: وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا.
خامسًا: لا يوجد بطانة للعالم لا تنفع ولا تضر، بل هي إما تضره أو تنفعه، وأخطر البطانات التي تكسو الدنيا كساء الدين، والبطانة التي تنفع وتعطي الجميل في الدنيا وهي متجردة من الدين أخطر البطانات، فما من