الصفحة 24 من 62

ولتنظروا إلى سيرة رسولكم الحبيب صلى الله عليه وسلم المباركة. فلم يكن سبب الانتصار في غزوة بدر مقتلَ جميع الكفار في الميدان؟ لا، بل إن غالبية كفار مكة بقوا على قيد الحياة، وإنما بمقتل قادتهم ورؤسائهم وهن عزمهم وتحطمت معنوياتهم التي كانوا قد خرجوا متفاخرين بها من مكة. فاقرأوا السيرة المباركة بأكملها. ثم هل استئصل جميع الكفرة في جزيرة العرب عند فتح مكة؟ لا، بل بقي الكثير، وبقيت قريش أهل الحرب والثأر. ولكن معنوياتهم قد انهزمت.

وكذلك عندما خسر الاتحاد الروسي في أفغانستان لم يفنى جيشه عن بكرة أبيه، لا، بل إن معنويات الجيش المقاتل كانت قد انهارت. وحتى اليوم إن كانت أمريكا وحلفائها مُنُوا بالهزيمة في أفغانستان فليس لأن طائرات الدرون (الجاسوسية) قد انتهت، أو أن نظام أقمارهم الاصطناعية قد انهار، أو أن تقنياتهم قد تعطلت. لا، بل بتوفيق الله فإن أسوده انهكوا قواتهم المقاتلة على الأرض، وأوقعوا بهم خسائر فادحة، لدرجة أنه لم يبق عند جنودهم الجأش الذي يجعلهم يواجهون الطالبان حتى وهم داخل معسكراتهم وحصونهم القوية على الرغم من مساندة طائرات الدرون والنفاثات لهم.

فعلمنا من هنا أن النصر في المعركة يكون بتحطيم إرادة العدو في القتال. ولكن ستزداد إرادته في القتال والأخذ بالثأر بقتل نسائهم وأطفالهم الذين لم يشاركوا في القتال. لذا بفعلك هذا أنت تقوِّي معنويات القتال لديه بدل تحطيمها. وليس ذلك في العدو فقط، بل تجعل المحايدين يقفون ضدك في صف أئمة الكفر. وتجعل أعدادا متزايدة من الناس يشاركون في الحرب ضدك. مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قلّل من عدد الأعداء لا زاده، وأضعف العدو بالتفرقة بينهم لا وحد صفوفهم.

إخواني المجاهدين الأعزة! تعلّموا الجهاد من نبيكم الحبيب صلى الله عليه وسلم، ومن قادة النبي الأفذاذ. حددوا أهدافكم بدقة أولًا. وتذكروا، أن تحديد الأهداف الصحيحة، واستعمال الوقت والأسباب بطريقة اقتصادية في الحروب والثورات يؤثر على نتائجها. والفائز في الحرب هو من يدير رحاها. ولا يدير رحى الحرب إلا من يركز على أهدافه المختارة متغاضيًا عن المعارك الجانبية.

ثم إن الخطر على الحركات الثورية لا يتمثل في الضغط عليها من قبل العدو باستعمال القوة. بل على العكس فإن استعمال القوة يؤدي إلى تصلب عود الحركة. أمّا الخطر الداهم فهو أن تُخْتَطَفْ الحركة فتنحرف عن أهدافها الأساسية. ولتطالعوا تاريخ الحركات الثورية. فلن تروها قد قضي عليها باستعمال القوة. بل أكثر الحركات التي فشلت كانت قد اختطفت فمالت عن منهجها وأهدافها الأساسية.

وكما قلنا فإن السيطرة على الحرب مهم جدًا. والفائدة من ذلك هو أنك تستطيع إضرام نار الحرب حين تريد، وعندما ترى أنه لا بد من تقليل مستوى النزاع لمصلحة تراها فإنك تستطيع إخماد النار فورًا كما تريد. فيضطر العدو أن ينزل في الميدان وأن يهرب منه حسب خطتك التي رسمتها، إلى أن تبدأ نفسيات جنوده بالتحطّم والانهيار. فالقائد العسكري الرابح هو الذي يسحب العدو إلى الميدان الذي يريده. ولكن إن فقد القائد السيطرة على الحرب فإنه يصبح لعبة في يد العدو فضلًا على أن يفوز.

ولقد أشار الله تعالى إلى تعيين الهدف الصحيح، واستعمال الوقت والأسباب بطريقة مناسبة في القرآن الكريم بقوله في سورة الأنفال فَاضْرِبُوْا فَوْقَ الْاَعْنَاقِ وَاضْرِبُوْا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ فالله تعالى يرشد هنا الملائكة أو المؤمنين بأن يختاروا موضع الرقاب والمفاصل للضرب. ففيه إشارة إلى أنه لا بد من تعيين الهدف، والاختيار الصحيح. فيجب أن تكون أنجع الأهداف أُولاها، ومن ذلك قطع الوريد بضرب رقبة العدو، فيُحسم الوضع في أقل وقت وبأقل الوسائل. ولكن إن كان العدو قويًا، ولم تستطع الوصول إلى رقبته فحينئذ كذلك يجب اختيار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت