بسم الله الرحمن الرحيم
للشيخ/ عاصم عمر (حفظه الله)
-أمير تنظيم القاعدة في شبه القارة الهندية -
نشر:
مجموعة البُشْرَيات
من جديد في ساهرانبور يواجه المسلمون في الهند قدر الأمة المُستعبَدة تحت رحمة سيدها المتقلب المزاج.
إنّ الكلمات مثل العدالة، السّلام، الأخوّة، حقوق الإنسان لا تحمل أي معنى بالنسبة للفقراء في هذا العالم، فمِن الذي لا جدال فيه أنّ الحق في تعريف هذه المصطلحات الغريبة عنهم وتحديد من يستحقها ومن لا يستحقها حق يقتصر على الأمم القوية.
فالقتل العبثي للمسلمين في ساهرانبور في حزيران والإبادات الجماعية التي جرت سابقًا في مظفرنغر واسيم لم تكن أعمال عشوائية يحدث صدفةً أن يكون المسلمون ضحاياها في كل مرة، بل هي أفعال مُتعمّدة حدثت -وما تزال تحدث- بمباركة من الديمقراطية الأكبر في هذا العالم.
إن الذين ما زالوا يُصرّون على أن المسلمين يعيشون بحُريّة في الهند وأنهم يتمتعون بحقوق متساوية، أو أنه لا يوجد شيء يُهدّد حياتهم وممتلكاتهم بالرغم من عدد الجرائم التي لا تحصى ضدهم، فهؤلاء إما أنهم أغبياء ساذجون أو يَتعمّدون تضليل العالم.
فالذين يصرّون على أن المسلمين في الهند -بالرغم من المجازر الكثيرة لأكثر من ستة عقود- تحت حكم الهندوس يتمتعون بحقوق متساوية، أو أن حياتهم وممتلاكاتهم في أمان، إنهم يتعمدون تضليل العالم بالرغم من الوضع المأساوي الذي يعيش به ذلك المجتمع.
عملت الهند وبجدّ منذ الاستقلال على رعاية قادة مدعومين رسميًا من قِبَلها في المجتمع المسلم مهمتهم ترديد ومحاكاة هذه المزاعم الرسمية الكاذبة التي يروّج لها الإعلام، ومع ذلك بالنسبة للناس البسطاء في الهند فإن هذه المزاعم ليست أصدق من تلك التي يسمعون بها في الإعلانات التلفزيونية الرخيصة.
وسواء أكان ذلك في الاضطرابات التي حدثت في مدينة بهلوانبور في بيهار، أو في الاضطرابات التي حدثت في مدينة ميروث والقتل الوحشي للمسلمين وما تبعه من تدمير لمسجد بابري وقتل المسلمين بالكهرباء، والإبادات التي حصلت في مدينة مظفرنغر، أو خلال الاضطرابات في مدينة ساهرانبور واغتصاب الأخوات المسلمات التي تحدث في كل مرة في وضح النهار.
هذه المآسي تذكرنا بكيف كانت تَنتهك"الهندوس"-والتي تشكل الطبقة الاجتماعية العليا- حقوقَ الطبقة الدنيا"المنبوذين"قبل وصول الإسلام للهند، سواء كان ذلك في الحقول الزراعية أو في الأسواق أو في الأماكن العامة.
في الحقيقة تعتبر الطبقة الاجتماعية العليا"الهندوس"هذه الممارسات الباطلة حقًا مقدسًا لهم، وحتى المؤرّخين الهنود اليوم والمدافعين عن حقوق الإنسان ليس لديهم أي شكوك حول هذه الوحشية.
السبب بسيط؛ لأنهم يعتبرون ذلك حقًا مشروعًا للطبقة الاجتماعية العليا"الهندوس"، أما الأمة المستعبدة فليس أمامها خيار سوى أن تعيش في هذا الهامش من الحقوق والحرية والعدالة التي يتصدّق عليهم بها أسيادها، واليوم تتكرر مثل هذه القصة مع المسلمين في المجتمع الهندي المثقف.
ومن ثمّ من يتحمل المسؤولية عن هذا العنف المنظم الذي يستهدف المسلمين في الهند؟ هل هي الحركات الطائفية مثل حزب"BJP""بهاراتيا جاناتا"، ومنظمة RSS المتطرفة؟ هل هي الحكومة الإقليمية في اوتاربارديش أم الحكومة المركزية؟
إذا أردنا أن نتابع هذه الأحداث من خلال رؤية الإعلام الهندي الكاذب فإنك ستجد نفسك في متاهة لا تنتهي من التّضليل والكذب، وحتى بالنسبة للمسلمين في خارج الهند والذين يفتقرون للوصول إلى المصادر الرئيسية فإن فهم محنة المسلمين في الهند بالنسبة لهم سيكون مستحيلًا.
وبالنسبة لمراقب خارجي فإن المسائل الأساسية ستبقى بدون جواب، مثل هل المسلمون في الهند يعيشون بحرية حقًا؟ هل يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها الهندوس؟ هل هم مواطنون محترمون في الهند؟ هل يختلف وضعهم كثيرًا عن الطبقة الاجتماعية الدنيا في المجتمع المضطهدة والمنبوذة؟
الحقيقة إن أي مراقب خارجي سيفشل في فهم محنة المسلمين في الهند عبر وسائل الإعلام، التي لا يمكن أن نكتشف كذبها إلا من خلال فهم سابق لطبيعة الهندوس.
وأمام هذا الوضع هل ستسعى لفهم الحقيقة من خلال رؤية ما يُسمّون بالقادة المسلمين؟
عندها آسف لأقول لك أنك لا تضيع وقتك فحسب، بل وفي كل الاحتمالات ستكون مُضلَّل تمامًا؛ هذا لأنه ليس فقط المؤسسات الهندية وبشكل قاطع بيد"البراهمية"، ولكن كل مُقدَّرات الدولة أيضًا قد سُخّرت بغرض إقناع المسلمين في الهند وفي بقية العالم بأن الهند تعيش في ظل ديمقراطية حقيقية يتمتع المواطنون فيها -بما في ذلك المسلمون- بالحرية وبحقوق إنسانية كاملة، وما يجري من أعمال شغب ضد المسلمين ما هي إلا أعمال صغيرة يقوم به عناصر طائفية.
وفي محاولة لتعزيز هذا المضمون الفارغ تصدّرت بعض الأحزاب السياسية الموقف لتُظهر نفسها كمُخلِّص للمسلمين، وفي مناسبات أخرى عملت المحكمة الهندية العليا ضجة كبيرة من قضايا روتينية صغيرة، وأصدرت أحكامًا مخففة على بعض الجُناة لتعطي تأكيدًا كاذبًا بأن الهند دولة علمانية تحترم القوانين.
وإذا فشل كل ذلك تأتي أفلام بوليود لتثبت أنه ورغم أن اللوم الحقيقي يقع على المسلمين، فإن الحكومة الهندية -وانطلاقًا من سماحتها وسعة صدرها الكبيرة- أنصفتهم وعاقبت الجناة.
ستتفاجأ عندما تعرف بأن هناك فئة من القادة المسلمين الرسميين في الهند يصدقون هذا الكذب المصوّر في أفلامهم على أنه الحقيقة، ويجولون في العالم متفاخرين ومُمجّدين للعدالة والسلام في الهند.
يزور هؤلاء القادة السعودية وباكستان بشكل متكرر، ويكررون هذا الهُراء بأن المسلمين ليسوا فقط يتمتعون بحرية كاملة والدولة تصون حقوقهم، ولكن أيضًا لا أحد يُقدم على ظلمهم.
في هذه الدراما الوحشية يلعب من يسمون بـ"قادة المسلمين"في الهند الدور الأسوأ؛ حيث لا يترددون في بيع المسلمين في بلدهم سعيًا وراء مقعد واحد في البرلمان الهندي أو في مجلس الشيوخ.
في كل مرة تتصدّر المؤسسة الهندية الرسمية المقدمة، حالها حال القادة الذين يحاولون أن يخفوا الوجه القبيح للحكومة الهندية تحت المظهر الخدّاع للعلمانية والديمقراطية.
فالحقيقة إن كل ما يجري للمسلمين في الهند ليس مؤامرة تُدبّر من قِبل القِوى الطائفية لوحدها فقط، ولا يمكن أن يُفسَّر بالتصويت السياسي لكسب الدعم والتأييد في السياسسات الداخلية، بالأحرى هناك يد عُليا للمؤسسة الهندية الرسمية وراء هذه الأحداث، والتي تعمل بشكل منهجي لتحطّ من قدر المسلمين من مستوى الملوك والسلاطين التي كانوا عليها إلى مستويات الطبقات الدنيا، بحيث يفقدون الإرادة والقوة في مواجهة الهندوس.
مضت عدة أشهر الآن منذ أن أجبرت العائلات المسلمة في مظفرنجر على النزوح إلى مخيمات اللجوء، على إثر الإبادة الجماعية المنظمة والتي ذُبح فيها مئات المسلمين واعتُدي على أعراض النساء المسلمات، وحُرّق الأطفال وهم على قيد الحياة، وتحوّلت بيوت وأمتعة المجتمع المسلم إلى رماد، حيث تحولت مدينة شيملا إلى مخيم لجوء للمسلمين، مدينة شيملا نفسها التي َهزم فيها العلماء الصادقون بريطانيا عام 1857 م.
بعيدًا عن شيملا 40 كيلو مترًا يقع مكان معروف تاريخيًا بـ"بانيبات"وهي البوابة التي عَبر خلالها الفاتحون المسلمون إلى دلهي، إنها رمز للحكم الإسلامي والذي نُسي عند مسلمي الهند، ولم يُنسَ عند الهندوس.
إن جيوش هؤلاء الفاتحيين في أفغانستان وآسيا الوسطى ستأتي وتُطهّر هذه المنطقة وتهزم جيوش الهندوس.
إنه من التناقض أن الذين حكموا الهند لقرون قد أُجبروا اليوم على الخروج من منازلهم متروكين بلا خيار إلا أن يعيشوا في مخيمات اللاجئين، وفي محاولة منها لتهدئة التوتر أعلنت الحكومة الهندية بأن اللاجئين سيكونون قادرين على العودة إلى منازلهم قريبًا، يعودون إلى أين؟ وهي نفسها الحكومة الهندية التي أجبرتهم على الخروج لتوطن الهندوس مكانهم.
المسلمون الهنود الذين تحولت منازلهم إلى رماد بفعل الحقد الهندوسي العميق، وألقى الهندوس أطفالهم البرئيين في النار الملتهبة وكأنهم عقارب وليسوا من البشر، لن يصدقوا بعد الآن هذا الخداع والمراوغة؛ لأنهم خُدعوا ولسنين عديدة بالشعارات الفارغة للديمقراطية الهندية والدولة العلمانية وأرض غاندي أرض السلام، ونحوها من الشعارات.
إن صرخات بنات هذه الأمة؛ أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- التي مزقّت القلوب لن ينساها الشباب المسلم طالما بقوا على قيد الحياة، إذ كيف من الممكن لأحفاد محمد بن القاسم ومحمود الغزنوي والسلطان أورانك زيب والسلطان تيبوا شهيد أن ينسوا الذل الذي علق في ذاكرتهم من قِبل الحكومة الهندية؟ كيف من الممكن لأي مسلم أن ينسى وصمة العار التي رسخت في قلوبهم في مظفرنغر وساهرانبور؟
لن يغترّ المسلمون بعد ذلك بهذه الشعارات الفارغة، لا يستطيع أي حزب أو أي قائد أو مسؤول مسلم، ولا البرلمان ولا المحكمة العُليا أن تخفف من معاناتهم، لقد مضت على هذه الأزمة 65 عامًا ومع ذلك ومع كل يوم يمضي يزداد وضع المسلمين سوءًا.
ربما تختلف قليلًا الادعاءات المسيحية لكنهم في الحقيقة كلٌ واحدٌ؛ فأعداء المسلمين هم أعداء لديننا، أعداء لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهم نفسهم الأعداء الحقيقيون لحياتنا وثروتنا وكرامتنا.
يجب أن لا ننسى مطلقًا أن قمع الضعفاء وسحق المضطهدين هي من طبيعة الهندوس؛ فحسب الاعتقاد الديني فإن الهندوسي يَعبُد القوة، فهو يعترف ويقبل بألوهية أي شخص أكثرقوة منه، إذ لا يوجد مكان للمبادئ والأخلاق والفضيلة، ولا يوجد مكان للرحمة والشفقة تجاه الضعفاء في المجتمع الهندوسي.
أحبائي المسلمون في الهند، لا تَنخدعوا بهؤلاء الدّجالين التّافهين، أنتم من حكم الهند لآلاف السنين حيث كانت الهند في عصرها الذهبي أثناء حكمكم، فالمسلمون هم من صنع المجد في الهند.