فيا إخواني المجاهدين! لا يمكن أن يتقي المحارم إلا من ابتعد عن الحمى، بل لم يحاول الاقتراب منه أصلًا، أما الذي يحاول أن يقترب منه، سواء كان بتأويل ما، وسواء سماه جهادًا أو استشهادًا، فإنه في يوم من الأيام سيقع في الحمى. فمن من الأمراء يجترأ على الوقوع في حمى مالك الملك؟ من يتحدى الله في ملكوته؟ من الذي لديه الجرأة على خالقه ومالكه؟ تذكروا بأن الله صمدٌ عزيز. هو لا يحتاج إلى جهاد تنتهك فيه محارمه، هو لا يحب دمًا يُهراق في معصيته، هو لا يعبأ بالنفوس التي تهلك مخالفةً لشرعه.
إخواني المجاهدين الأحبة! يجب فهم أمر آخر جيدًا، وهو أن الأمور التى نهانا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها في ميدان الجهاد هي من صالح الجهاد، سواء عرفنا حكمتها أم لا، وسواء أدركت عقولنا فهم كنهها أم لا، فإن الحق هو ما بيّنه الشرع، فيه مصلحة الدين، وفيه مصلحة الجهاد.
وعلى سبيل المثال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل نساء وأطفال العدو الذين لا يشاركون في المعركة، فإن أراد أحد أن يُعمل عقله بإزاء أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فيمكنه أن يقول أنه إن قتلت نساء العدو وذراريه فإن الرعب سيمتلكه، وسيزيد من ألمه، وسيوهن عزمه على القتال. وسيبدأ بقتل النساء والأطفال. فهذا يدل على قلة عقله وتجربته، ولا يمكن أن يفكر به إلا محارب بسيط العقل ليست لديه أي معرفة بنفسيات الناس. فإنك لو درست بعمق النفسيات الإنسانية والآثار التي ترتبها دماء النساء والأطفال على المجتمعات البشرية، فإنك ستزداد تصديقًا لقول النبي الحبيب صلى الله عليه وسلم، وسيظهر لك أن قوله صلى الله عليه وسلم نافع في زمن الحروب الجديدة هذا كما كان قبل أربعة عشر قرنًا.
وفكر بنفسك! في أي صورة يزداد غضبك وحقدك أكثر؟ برؤية جثث مقاتليك من الرجال أم برؤية جثث نسائك وأطفالك؟ وتذكر! إن جثث النساء والأطفال ودمائهم توقد نار الثأر والحقد في قلب الإنسان، حتى إن أجبن إنسان يعزم على الاقتتال من أجل نسوته وأطفاله. أو لا ترى أن النفس الضعيفة كنفس المرأة تضحي بحياتها من أجل حياة ولدها؟ فثبت أن دم النساء والأطفال يشعل نار الكراهية ضد من يهدره، ويؤدي إلى زيادة عدد الأعداء، ويضاعف إرادة القتال عند العدو.
فإن أدركت أن دم الأطفال والنساء غير المقاتلات يبعث روح الكراهية والثأر في المجتمع، فافهم حقيقةً أخرى، وهي أن الله تعالى ما أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالقتال إلا كي تضعُفَ به إرادة القتال لدى أعداء الدين، وكي يوهن عزمهم. لذا أمر باستئصال عقول العدو الكبيرة وقتل قيادتها العليا، فقال: فَقَاتِلُوْا اَئِمَّةَ الْكُفْر [التوبة] ، أي حاربوا القيادات العليا، ثم ذكر القصد من وراء ذلك لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُوْنَ أي ينتهوا عن الحرب ضد الشرع المطهر. قال الإمام أبو السعود في تفسير هذه الآية: (ليكن غرضُكم من القتال انتهاءَهم عمَّا هُم عليهِ من الكفر وسائرِ العظائمِ التي يرتكبونها، لا إيصالَ الأذية بهم) . أي لا يكون غرضكم من القتال كما يكون لدى المتحاربين الذين لا يسعون إلا إلى إيذاء العدو من أجل عصبياتهم الجاهلية، ولا هدف لهم آخر. بل إن غرض قتالكم يجب أن يكون ما كان يبيّنه الصحابة بأنهم لا يريدون بقطع رؤوس قيادات العدو إلا القضاء على العوائق أمام تطبيق الشرع، كي تنفتح أمام الناس أبواب الهداية، وكي يدخلوا في دين الله برضاهم. فلذا، كي نقضي على إرادة القتال لدى العدو، يجب إنهاكهم بالهجمات المتتالية، تتقطع فيها أوصالهم، وتتفجر جماجمهم، ويستهدف ضباطهم، كي تتحطم معنوياتهم مثلما تحطمت معنويات جيش أمريكا وحلفائها في أفغانستان ولله الحمد.
وتذكروا أن المقاتلين في حرب العصابات يحصلون على أهدافهم إذا حطّموا معنويات العدو ففقد عزمه، لا أن النصر يتحقق بمقتل جميع أفرادهم، بل حتى قوات الجيوش النظامية تحاول هي الأخرى أن تقضي على إرادة القتال عند أعدائها.