ومنها اسمه الرحمن وقد قال بعضهم أنه عبراني ولا تعرفه العرب وقد رد ذلك جمع من العلماء وعلى رأسهم شيخ المفسرين الإمام الطبري ' (1) بل وهناك من أنكر الاشتقاق وقد رد علماء كُثر ذلك على رأسهم الطبري والخطابي رحمهما الله وتبعهم جمع غفير من أهل العلم بل إن القرطبي ' كان ينقل أحرف الخطابي ' في كتابه ( شأن الدعاء ) بواسطة ابن الحصار الذي رد بدوره على ابن العربي في بعض قوله مثل هذا (2)
(1) قال رحمه الله: وقد زعم بعض أهل الغباء أن العرب كانت لا تعرف الرحمن ولم يكن ذلك في لغتها ولذلك قال المشركون للنبي ': وَمَا الرّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لما تَأْمُرُنَا إنكارا منهم لهذا الاسم. كأنه كان محالًا عنده أن ينكر أهل الشرك ما كانوا عالمين بصحته, أو كأنه لم يتلُ من كتاب الله قولَ الله {الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ - يعني محمدا - كَما يَعْرِفُونَ أبْنَاءَهُمْ } وهم مع ذلك به مكذبون, ولنبّوته جاحدون. فيعلم بذلك أنهم قد كانوا يدافعون حقيقة ما قد ثبت عندهم صحته واستحكمت لديهم معرفته.ا هـ ج1ص11
(2) قال القرطبي ': واختلفوا أيضًا في اشتقاق اسمه الرحمن، فقال بعضهم: لا اشتقاق له لأنه من الأسماء المختصة به سبحانه، ولأنه لو كان مشتقًا من الرحمة لاتصل بذكر المرحوم، فجاز أن يقال: الله رحمن بعباده، كما يقال: رحيم بعباده. وأيضًا لو كان مشتقًا من الرحمة لم تنكره العرب حين سمعوه، إذ كانوا لا ينكرون رحمة ربهم، وقد قال الله عز وجل:"وإذ قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن" [الفرقان:60] الآية. ولما كتب علي رضي الله عنه في صلح الحديبية بأمر النبي صلى الله عليه وسلم:"بسم الله الرحمن الرحيم"قال سهيل بن عمرو: أما"بسم الله الرحمن الرحيم"فما ندري ما"بسم الله الرحمن الرحيم"! ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم، الحديث. قال ابن العربي: إنما جهلوا الصفة دون الموصوف، واستدل على ذلك بقولهم: وما الرحمن؟ ولم يقولوا: ومن الرحمن؟ قال ابن الحصار: وكأنه رحمه الله لم يقرأ الآية الأخرى: {وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ} [الرعد:30] وذهب الجمهور من الناس إلى أن"الرحمن"مشتق من الرحمة مبني على المبالغة؛ ومعناه ذو الرحمة الذي لا نظير له فيها، فلذلك لا يثنى ولا يجمع كما يثنى"الرحيم"ويجمع.
قال ابن الحصار ': ومما يدل على الاشتقاق ما خرجه الترمذي وصححه عن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم: يقول: (قال الله - عز وجل - أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته) . وهذا نص من الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، وإنكار العرب له لجهلهم بالله وبما وجب له.
وزعم المبرد فيما ذكر ابن الأنباري في كتاب"الزاهر"له: أن"الرحمن"اسم عبراني جاء معه بـ"الرحيم". وأنشد:
لن تدركوا المجد أو تشروا عباءكم بالخز أو تجعلوا الينبوت ضمرانا
أو تتركون إلى القسين هجرتكم ومسحكم صلبهم رحمان قربانا
قال أبو إسحاق الزجاج ' في معاني القرآن: وقال أحمد بن يحيى:"الرحيم"عربي و"الرحمن"عبراني، فلهذا جمع بينهما. وهذا القول مرغوب عنه. وقال أبو العباس: النعت قد يقع للمدح، كما تقول: قال جرير الشاعر: وروى مطرف عن قتادة في قول الله عز وجل:"بسم الله الرحمن الرحيم"قال: مدح نفسه. قال أبو إسحاق وهذا قول حسن. وقال قطرب: يجوز أن يكون جمع بينهما للتوكيد. قال أبو إسحاق: وهذا قول حسن. وفي التوكيد أعظم الفائدة، وهو كثير في كلام العرب، ويستغني عن الاستشهاد، والفائدة في ذلك ما قاله محمد بن يزيد: إنه تفضل بعد تفضل، وإنعام بعد إنعام، وتقوية لمطامع الراغبين، ووعد لا يخيب آمله) تفسير القرطبي جـ1 صـ113،112،والأسنىج1 ص68:64 ا.هـ
(وقال مقيده عفا الله عنه وعن والديه ) :في مسئلة اشتقاق الأسماء الحسنى قول بديع للإمام ابن القيم رحمه الله عند رده على من قال بعدم اشتقاق لفظ الجلالة ( الله - جل جلاله - ) واليك نصه عسى أن ينفع الله به ( زعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن العربي أن اسم الله غير مشتق ،لان الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها الاسم واسمه تعالى قديم والقديم لا مادة له ، و لا ريب انه إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وانه مستمد من أصل أخر فهو باطل ، و لكن الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى و لا ألم بقلوبهم ، وإنما أرادوا انه دال على صفة له تعالى وهى الإلهية كسائر أسمائه الحسنى كالعليم والقدير والغفور والرحيم السميع والبصير ، فان هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب وهى قديمة ، والقديم لا مادة له ،فما جوابكم عن هذه الأسماء ؟ فهو جواب القائلين باشتقاق اسمه الله ، ثم الجواب عن الجميع: إننا لا نعني بالاشتقاق إلا إنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعني ) ا.هـ بدائع الفوائد ج1 ص23:22