وتماديهم في الدعارة لأن القوم كانوا يهودًا، وإيمان اليهود باللَّه ليس بإيمان، لقولهم: (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) [التوبة: 30] ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر، لأنهم يعتقدونه على خلاف صفته، فكان قولهم: (آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ) خبثًا مضاعفًا، وكفرًا موجهًا، لأن قولهم هذا لو صدر عنهم لا على وجه النفاق وعقيدتهم عقيدتهم، فهو كفر لا إيمان. فإذا قالوه على وجه النفاق خديعة للمسلمين واستهزاء بهم، وأروهم أنهم مثلهم في الإيمان الحقيقي، كان خبثا إلى خبث، وكفرًا إلى كفر. وأيضا فقد أوهموا في هذا المقال أنهم اختاروا الإيمان من جانبيه، واكتنفوه من قطريه، وأحاطوا بأوّله وآخره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في الدعارة) أي: الفسق والخبث. الجوهري: يقال: هو خبيثٌ داعرٌ بين الدعر والدعارة.
قوله: (موجهًا) أي: ذا وجهين. الأساس: ومن المجاز: كساءٌ موجهٌ: له وجهان. وأحدب موجهٌ له حدبتان من خلفٍ وقدام؛ لأنهم أظهروا في هاتين المسألتين ما يخالف اعتقادهم؛ لأنهم قالوا: عزيرٌ ابن الله، والآخرة لا يكون فيها إلا تلذذ الأرواح بالروائح العبقة وما شاكل ذلك، فلما علموا أن عمدة ما ينكره المسلمون عليهم هو هذان الأمران، تعرضوا لهما وصرحوا بالاعتراف بهما مع أنهم باقون على اعتقادهم الأصلي، وغرضهم إجراء أحكام المسلمين عليهم وكان ذلك غاية دهائهم ومكرهم.
قوله: (وأيضًا) : ابن السكيت: هو مصدر قولك: آض يئيض أيضاَ، أي: عاد، وإذا قال: فعلت ذاك أيضًا،
قلت: قد أكثرت من أيضٍ.
قوله: (وأيضًا فقد أوهموا) عطفٌ على جواب (( إذا ) )وهو (( كان خبثًا إلى خبثٍ ) )أي: إذا قالوه على وجه النفاق كان خبثًا مضاعفًا مع إيهام أنهم أحاطوا بالإيمان من جانبيه.