ثم أخبر عن المتقين بأنهم آمنوا بقوله تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] إلى قوله: {فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الحجر: 84]
قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ} [الحجر: 45] الاتقاء على ثلاثة أوجه: اتقاء عن محارم الله بأوامر الله، واتقاء عن الدنيا وشهواتها بالأخرة ودرجاتها، واتقاء عما سوى الله بالله وصفاته. والمتقون هم الفانون عن أنفسهم وصفاتهم الباقون بالله وصفاته {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الحجر: 45] أي: جنات حظائر القجس وعيون الحكمة الإلهية والعلوم اللدنية {ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ} [الحجر: 46] أي: بجذبات العناية والسلام منه الله هو الجذبة الإلهية آمنين من موانع الدخول والخروج بعد الوصول وفيه إشارة إلى أن السير في الله لا يمكن إلا بالله وجذباته كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج تأخر عنه جبريل في سدرة المنتهى وبقي عند الرفرف في مقام قاب قوسين ما وصل إلى مقام أو أدنى وهو كمال القرب إلا بجذبة أذن مني فبسلام الله سلم من موانع الدخول والخروج بعد الوصول.
{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الحجر: 47] من موانع الدخول والوصول يشير إلى أن أهل الدخول والوصول هم المنزوعون عن صدورهم على أوصاف البشرية من أمارة النفس وصفاتها الذميمة، وأنها لا تتتزع من النفس إلا بنزع الله إياها ومن لم يُنزع عنه الغل لم يأمنن من الخروج بعد الدخول كلما كان حال آدم عليه السلام لما دخل الجنة قبل تزكية النفس ونزع صفاتها أخرج منها بالغل الذي كان من نتائجه {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ} [طه: 121 - 122] ونزع عنه الغل بالتوبة وهداه إلى الجنة {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] في المراتب بعضهم لبعض أي: لكل قوم من أهل التقوى إخوان على قدر تقربهم متقابلين في الدرجات {لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ} [الحجر: 48] من الحسد لبعضهم على درجات بعض {وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} [الحجر: 48] يشير إلى أن أهل كل درجة مقيمون في تلك الدرجة لا خروج لهم منها إلى درجة تحتها ولا فوقها وهم راضون بذلك؛ لأن غل الحسد منزوع منهم.