{لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ} [يوسف: 67] وأمروا الكفرة بدخول أبواب النار لإظهار العقوبة والنكال كما قال: {ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا} [الزمر: 72] وأمر المؤمنين بدخول الجنان بكمال الكرامة وإظهار النوال كما قال: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ} [الأعراف: 49] .
وقيل: أربعة أبواب فتحت لأربعة نفر لأربعة أشياء فتحت أبواب النعمة للغافلين؛ للاستدراج والإمهال كما قال: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] ، وفتحت أبواب السماء على قوم نوح للخزي والنكال كما قال: {فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} [القمر: 11] ، وفتحت أبواب النار على الكفار للعقوبة والسلاسل والأغلال كما قال: {حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 73] ، وفتحت أبواب الجنان على المؤمنين للفضل والأفضال كما قال: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ إِلَى الّجَنَّةِ زُمَرًا} [الزمر: 73] .
وقوله: {وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} [يوسف: 65] كان ظاهر الدنيا الإهانة، وباطنها الإكرام كما كل ممنوع ومردود مهان، وليس كل من لا يستطيع الحج مطرودًا، ولا كل من لا يجد مالًا يتصدق به مهجورًا، وقوله لموسى عليه السلام: {لَن تَرَانِي} [الأعراف: 143] لم يرد بذلك إهانته؛ بل إكرامه إذا لم يكن يطيق ذلك، أو لو تجلى له لما بقي كما يدك الجبل، فالدنيا دار البلاء لا دار الفناء مع هذه الدنيا الخسيسة كيف ينال العبد شرف رؤية الله تعالى وهو أشرف كل شرف وأكرمه، وروي عن عبد الله بن المبارك أراد يغزو سنة فلم يوفق لذلك تلك السنة، فحزن لذلك فرأى في المنام: لا تحزن، فإنك لو غزوت لأسرب، ولو أسرت لكفرت.
وورد في حكاية أنه خرج واحد للحج فلمَّا جاء فاته وقت الحج فقال: آه، فأعجب بتأوهه إنسان فقال له: كذا حجة أبيعك بهذه التأوه، فقال: اشتريتها، فرأى في المنام أنك ما تعرف قدر ذلك التأوه وبعته رخيصًا، ورأى المشتري في منامه أنه قيل له: اشتريت التأوه رخيصًا، فذلك الأنين خير لك من كذا وكذا حجة.
{وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} [يوسف: 65] فاستبشروا، كذا المؤمن عند الموت إذا كان معه بضاعته فرح فرحة لا يوازيها فرحة، ومن خسر الأصل والربح بقي في حسرة لا يوازيها أعاذنا الله منها.
وقوله: {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف: 70] ذكر في القرآن أذان الظالمين {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ} [الأعراف: 44] وأذان الحاج، {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} [الحج: 27] ، وأذن البراءة في المشركين {وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ} [التوبة: 3] ، وأذان إخوة يوسف {ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ} [يوسف: 70] فأذان الظالمين لتعسرهم وطردهم، وأذن المشركين للبراءة منهم، وأذان الحاج للدعوى والكرامة، وأذان إخوة يوسف للعتاب والملامة، ونسبة بنيامين إلى الشرف لم يكن إهانة له؛ بل كان تدرجًا في إكرامه؛ لينتزعه من أيديهم ويمسكه عنده على أكرم وجه، وهذا كما خرق الخضر عليه السلام السفينة لا ليغرقها؛ بل لينقذها من أيدي الظالم الغاصب، ثم لمَّا نجا أهلها أصلح بلوح أعاده فيها، فكذا بنيامين استنقذه من أيديهم ثم لمَّا وصل يعقوب إلى يوسف أظهر الحال وبان أن ذلك كان تدرجًا إلى إعزازه وإكرامه.