فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 1648

{وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ} [التوبة: 118] من النفس والهوى والطبع وما اتبعوا الروح عند رجوعه إلى عالم العلو ابتداء حتى تمكنوا في عالم السفل وحصلوا فيه ما يحتاجون إليه من أسباب العبودية عند رجوعهم إلى عالم الربوبية بجذبة: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً} [الفجر: 28] ، {حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ} [التوبة: 118] أرض السفل عند إصابة الفيض الإلهي شوقًا إلى تلك الحضرة، {بِمَا رَحُبَتْ} [التوبة: 118] بعدما وسعت أرض السفل لهم بالطبع، {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ} [التوبة: 118] تحنثًا إلى تلك السعادات.

{وَظَنُّوا أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ} [التوبة: 118] إلا الفرار إليه، {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} [التوبة: 118] جذبهم عن العالم السفلي بجذبة العناية، {لِيَتُوبُوا} [التوبة: 118] أي: يرجعوا إلى الله ولو لم تتداركهم جذبة العناية ما تابوا وما رجعوا عن طبعهم وما رغبوا في طلب الله، {إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [التوبة: 118] أي: هو الذي يحذبهم بجذب الرحمة عنهم وعن طبعهم وعماهم فيه من الميل إلى السفليات، ولو وكلهم إلى طبيعتهم ما سلكوا طريق الحق أبدًا.

ثم عمم الدعوة وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} [التوبة: 119] قولًا وتصديقًا، {َاتَّقُوا اللَّهَ} [التوبة: 119] بالأعمال الصالحات واتقوا بالله عن غير الله، {وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119] لتبلغوا بتربيتهم وقوة ولايتهم إلى مراتب الصديقين وإلى مقام الاتقاء بالله عمَّا سواه، وأيضًا كونوا مع الصادقين الذين صدقوا يوم الميثاق، لما أجابوا الله عند خطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] وصدقوا الله على ما عاهدوا عليه ألاَّ يعبدوا إلا الله ولا يشركوا به شيئًا من مقاصد الدنيا والآخرة.

ثم أخبر عن وجود ترك التكلف في التخلف بقوله تعالى: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ} [التوبة: 120] الآيتين: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ} مدينة القالب وأهلها النفس والهوى والقلب، {وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الْأَعْرَابِ} أعراب الصفات النفسانية والقلبية، {أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللَّهِ} رسول الروح؛ إذ هو راجع إلى الله وسائر إليه، {وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة: 120] عن بذل وجودهم عند بذل وجوده بالفناء في الله، {ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ} [التوبة: 120] من ماء الشهوات، {وَلاَ نَصَبٌ} [التوبة: 120] من أنواع المجاهدات، {وَلاَ مَخْمَصَةٌ} [التوبة: 120] بترك اللذات وطعام الدنيا، {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة: 120] في طلب الله، {وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا} [التوبة: 120] مقامًا من مقامات الفناء، {يَغِيظُ الْكُفَّارَ} [التوبة: 120] النفس والهوى، {وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ} [التوبة: 120] الشيطان والدنيا والنفس.

{نَّيْلًا} [التوبة: 120] أي: نيلًا ومحنة وفقرًا وفاقة وجهرًا وحزنًا، وغير ذلك من أسباب الفناء، {إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ} [التوبة: 120] من البقاء بالله بعد الفناء في الله، {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] الفانين في الله فيبقيهم بالله ليعبدوه به على المشاهدة؛ لأن الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت