فهرس الكتاب

الصفحة 580 من 1648

السابقون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] كما يناسب تلك الحالة، ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة فجعلهم مستعدين لمحبته؛ كقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار المحبة، فلما قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فبالسمع المنور بنور المحبة سمعوا خطابه، وبالأبصار المنورة شاهدوا جماله، وبالقلوب المنورة نظروا لقائه وفهموا خطابه، فأجابوه بلسان المحبة شوقًا وصدقًا وتعبدًا ورقًا وإيمانًا حقًا؛ لاختصاصهم بنور المحبة، قالوا: بلى أنت ربنا ومحبوبنا ومعبودنا.

وأمَّا أصحاب الميمنة: فإن لم يختصوا بنور المحبة فلم يبتلوا بنار المحبة كما ابتلى بها أصحاب المشأمة، فسمعوا الخطاب بالسمع الرباني، وأبصروا الشواهد بالأبصار الربانية؛ وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب الربانية؛ فأجابوه بلسان الإيمان: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا ومعبودنا.

وأمَّا أصحاب المشأمة: فامتحنوا بإظهار العزة والعلا، وحجبوا برداء الكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب وعلى الأبصار غشاوة الاختيار والقلوب في أكنة العزة عن الأغيار، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، فأجابوه بلسان الإقرار بالاضطرار، وهم في دهشة الوقار ورعشة الافتقار.

وأمَّا الاستخراج الفطري: فلمَّا استخرج الله تعالى من ظهر آدم ذرات بيّنة استخرج من ظهورهم ذرات ذرياتهم المودعة فيها إلى يوما القيامة، والأرواح في تلك الحالة جنود مجندة في ثلاث صفوف:

الصف الأول: أرواح السابقين.

والصف الثاني: أرواح أصحاب الميمنة.

والصف الثالث: أصحاب المشأمة.

وأمَّا ذرات السابقين في الصف الأول: بحذا أرواحهم.

وذرات أصحاب الميمنة في الصف الثاني: بحذا أرواحهم.

وذرات أصحاب المشأمة في الصف الثالث: بحذا أرواحهم، فتنورت الذرات بأنوار أرواحها وكسب تلك الذرات الموجودة بالوجود الرباني لباس الوجود الروحاني، وكسب تلك السمع والأبصار والأفئدة الربانية لباسًا روحانيًا.

ثم خاطبهم الحق تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فسمع السابقون بسمع روحاني رباني نوراني خطابه، وشاهدوا بأبصار روحانية ربانية نورانية جماله، وأجابوا بأفئدة روحانية نورانية بنور المحبة لقائه، فأجابوه على المحبة: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا المحبوب والمعبود، {شَهِدْنَآ} [الأعراف: 172] ؛ أي: شاهدنا محبوبيتك؛ فأخذوا مواثيقهم ألاَّ يحبوا ولا يعبدوا إلا أياه، وسمع أصحاب الميمنة بسمع روحاني خطابه، وطالعوا بأبصار روحانية جلاله، وآمنوا بأفئدة ربانية بإلهيته، فأجابوه على العبودية: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا المعبود و {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} [البقرة: 285] ، فأخذ مواثيقهم {أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء: 23] ، وسمع أصحاب المشأمة خطابه بسمع روحاني من وراء حجاب العزة، وفي آذانهم وقر العزة، وعلى أبصارهم غشاوة الشقاوة، وعلى أفئدتهم ختم المحنة، فأجابوه على الكلفة: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا سمعًا كرهًا، فأخذ مواثيقهم على العبودية؛ فلهذا يرجع التفاوت بين الخليقة في الكفر والإيمان؛ أي: تفاوت الاستعدادات الروحانية والربانية، فافهم جدًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت