فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 1648

[المائدة: 83] ، ولما لاحت لهم أنوار السعادة خرجوا من ظلمات الطبيعة وتمسكوا بحبل الإرادة لينالوا درجات الفائزين ولكن {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ} [البقرة: 19] ، الفاسدة وأمانيهم الباطلة، {فِي آذَانِهِم} [البقرة: 19] ، الواعية {مِّنَ الصَّوَاعِقِ} [البقرة: 19] ، دواعي الحق {حَذَرَ} [البقرة: 19] ، من {الْمَوْتِ} [البقرة: 19] ، موت النفس لأن النفس سمكة حياته بحر الدنيا وماء الهوى لو أخرجت لماتت في الحال، وهذا تحقيق قوله صلى الله عليه وسلم:"موتوا قبل أن تموتوا".

{واللَّهُ مُحِيطٌ بِِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] ، فيه إشارة إلى أن الكافر الذي له حياة طبيعة حيوانية لو مات بالإرادة عن مألوفات الطبيعة لكان أحياه الله بأنوار الشريعة كما قال تعالى {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} [الأنعام: 122] .

فلما لم يمت بالإرادة {واللَّهُ مُحِيطٌ بِِالْكَافِرِينَ} [البقرة: 19] ، أي: مهلكهم ومميتهم في الدنيا بموت الصورة وموت القلب، وفي الآخرة بموت العذاب فلا يموت فيها ولا يحيى، {يَكَادُ الْبَرْقُ} [البقرة: 20] ، أي: نور الذكر والقرآن {يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} [البقرة: 20] ، أي أبصار نفوسهم الأمارة بالسوء {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} [البقرة: 20] ، سلكوا طريق الحق بقدم الصدق {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 20] ، ظلمات صفات النفس وغلب عليهم الهوى مالوا إلى الدنيا {قَامُواْ} [البقرة: 20] أي: وقفوا عن السير وتحيروا وترددوا وتطرقت إليهم الآفات واعترتهم الغرات واستولى عليهم الشيطان وسولت لهم أنفسهم الشهوات حتى وقعوا في ورطة الهلاك.

{وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ} [البقرة: 20] ، أي ولو كانت مشيئته وإرادته أن يهديهم {لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} [البقرة: 20] ، أي: بسمع نفوسهم الذي تنظر إلى زينة الحياة الدنيا وزخارفها كقوله تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا} [السجدة: 13] ، {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة: 20] ، أي: قادر على سلب أسماعهم وأبصارهم حتى لا يسمعوا الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ولا يصبروا المزخرفات الدنياوية، والمستلذات الحيوانية لكيلا يغتروا بها ويبيعوا الدين بالدنيا، ولكن الله يفعل بحكمته ما يشاء ويحكم بعزته ما يريد، فلما أتم الكلام مع المؤمنين والكافرين والمنافقين خاطب الناس عمومًا أجمعين بقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} [البقرة: 21] ، إلى {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] والإشارة في تحقيق الآيتين أن الله تعالى خاطب الناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيته ومعاهدته ألا يعبدوا إلا إياه، فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الأصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزلت قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم إلى التوحيد والعبودية.

{اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] ، يعني: ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق وأخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فأوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات وإقامة الطاعات المأمورات، {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] ، عن ترك عبادة غير الله فيوفي الله بعد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنات والإكرام بالقربات والكرامات في الآخرة، كما أكرمكم في الدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت