فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 1648

{إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 117] ؛ لأنه قَسَّم الضلالة والهدى يضل من يشاء وهو أعلم بمستحقي الضلالة من مستحقي الهداية.

{فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ} [الأنعام: 118] ؛ يعني: من أمارات الإيمان كلوا الطعام بحكم الشرع لا على وفق الطبع وتذيبوه بذكر الله، كما قال صلى الله عليه وسلم:"أذيبوا طعامكم بذكر الله"فإن الأكل على الغفلة والنسيان والاستعانة على العصيان يورث موت الجنان والحرمان على الجنان، {وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119] أيها الطلاب؛ يعني: الدنيا وما فيها، والآخرة وما هو من نعيمها، فإن الدنيا حرام على أهل الآخرة، والآخرة حرام على أهل الدنيا، وهما حرامان على أهل الله، {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [الأنعام: 119] من ضروريات البشرية في الدارين بأمر المولى ولا بالطبع والهوى، {وَإِنَّ كَثِيرًا} [الأنعام: 119] ؛ يعني: من أهل الأهواء، {لَّيُضِلُّونَ} [الأنعام: 119] ، عن سبيل وطلب الحق، {بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 119] ؛ يعني: بمتابعة أهوائهم في طلب الدنيا والركون إلى العقبى، ولا يعلمون أنهم مفتونون وعن باب الحق مطرودون، {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ} [الأنعام: 119] ، الذين جاوزوا طلب المولى وركنوا إلى الدنيا والعقبى.

ثم أخبر عن جزاء أهل الأهواء بقوله تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120] ، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى كما خلق الإنسان ظاهرًا: هو بدن جسماني وباطنًا: هو قلب روحاني، فكذلك جعل الإثم ظاهرًا: وهو كل قول وفعل موافق للطبع مخالف للشرع، وباطنًا: وهو كل خلق حيواني ومسعى شيطاني جبلت النفس عليه.

فقال تعالى: {وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ} [الأنعام: 120] ؛ أي: اتركوا أعمال الطبيعة باستعمال الأعمال الشرعية، واتركوا الأخلاق الذميمة النفسانية بالتخلق بالأخلاق الملكية الروحانية، {إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ} [الأنعام: 120] ظاهره بواطنه بالأفعال والأخلاق، {سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 120] عاجلًا وآجلًا.

أمَّا عاجلًا: فلكل فعل وقول طبيعي ظلمة تصدأ مرآة القلب فيخرف مزاج الأخلاق القلبية الروحانية، ويتقوى مزاج الأخلاق النفسانية الظلمانية، وبه يقلب الهوى ويميل إلى الدنيا وشهواتها، فبإظهار كل خلق منها على وفق الهوى يزيد رينًا وقسوة في القلب فيحتجب به عن الله تعالى، كما قال الله عز وجل: {كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ} [المطففين: 15] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت