[البينة: 5] .
وثالثها: في خصوصية قوله تعالى: {نَعْبُدُ} أن النفس دنياوية تعبد هواها لقوله تعالى: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] ، والروح قربي تعبد القربة والعندية لقوله تعالى: {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [القمر: 55] ، والسر حضرتي تعبد الحق تبارك وتعالى لقوله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"الإخلاص سر بيني وبين عبدي لا يسعه في ملك مقرب ولا نبي مرسل"فلما أنعم الله تعالى على عبده بنعمة الصلاة قسمها بينه وبين عبده، كما قال تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها إليَّ ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل"فيقرب العبد بنصفه إلى حضرة كماله بالحمد والثناء والشكر على الصفات جماله وجلاله، ويقرب الرب على مقتضى كرمه وإنعامه كما قال:"من تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذراعًا"بنصفه إلى خلاص عبده من عبودية الأغيار بإخراجه عن ظلمات بعضها فوق بعض من هوى النفس ومراد القلب وتعلق الروح بغير الحق إلى نور وحدانيته وشهود فردانيته. فأشرقت أرض النفس وسماوات القلب وعرش الروح وكرسي السر بنور ربها فآمنوا كلهم أجمعون بالله الذي خلقهم وهو مالكهم وملكهم، وكفروا بطواغيتهم التي يعبدونها واستمسكوا بالعروة الوثقى، وجعلوا كلهم واحدًا وقالوا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] نستوفقك ونطلب المعونة منك على عبادتك على أمورنا كلها.
قال أبو بكر الوراق: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك خلقتنا {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك هديتنا، قلت: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المعبود {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المقصود، وأيضًا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك المطلوب {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} لأنك المحبوب، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك مالك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأن ما سواك هالك {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} على نعمتك {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} على معرفتك، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} لأنك قلت: لنا عبادي، {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} ؛ لأنك لنا إليك هادي.
{اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] ، الهداية على ثلاثة أوجه: هداية العام، وهداية الخاص، وهداية الأخص. أما هداية العام فإنه هدى جميع الحيوانات إلى جلب منافعها ودفع مضارها بقوله: {رَبُّنَا ِالَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه: 50] .
وقال تعالى: {أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ} [البلد: 8 - 10] ، وأما هداية الخاص فهو هداية المؤمنين إلى الجنة لقوله تعالى: {يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ} [يونس: 9] ، وأما هداية الأخص فهي هداية الحقيقة التي من الله وقوله تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الصافات: 99] .
فقال الله تعالى: {يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ} [الشورى: 13] ، بهذه الهداية إلى الله تعالى، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي"وفي قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَى} [الضحى: 7] ، إشارة إلى هذا المعنى أي كنت ضالًا عني في تيه وجودك فطلبتك بجودي، وجذبتك بفضلي، وهديتك بجذبات عنايتي ونور هدايتي إلي، وجعلتك نورًا وأنزلت إليك نورًا فأهدي بك إلي من أشاء من عبادي، فمن اتبعك وطلب رضاك فنخرجهم من ظلمات وجود السوى إلى نور الروحاني، ونهديهم إلى صراط مستقيم، كما قال تعالى: