فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1648

{يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] .

واعلم أن للذكر مراتب وللذاكر أيضًا مراتب: ذكر اللسان، وذكر الأركان، وذكر النفس، وذكر القلب، وذكر الروح، وذكر السر.

فذكر اللسان: بالإقرار أذكركم بالاختيار، وذكر الأركان: باستعمال الطاعات أذكركم بالكرامات، وذكر النفس: بالاستسلام للأوامر والنواهي، فاذكروني بالاستسلام أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب: بتبديل الأخلاق الذميمة وتحصيل الأخلاق الكريمة فاذكروني بالأخلاق أذكركم بالاستغراق، وذكر الروح: بالتفريد والمحبة فاذكروني بالتفريد والمحبة أذكركم بالتوحيد والقربة وذكر السر: ببذل الوجود والفناء فاذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء، وهذا حقيقة قوله تعالى الحديث الرباني:"وإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي"وهذا هو الذكر الحقيقي أن يجعل الذاكر مذكورًا، والمذكور ذاكرًا بل يكون الذاكر والمذكور واحد كما قال تعالى: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر: 16] ، وكما قال قائلهم:

رَقَّ الزُّجاجُ وَرَقَّت الخَمرُ ... فَتشابَها فَتَشاكل الأَمرُ

فَكَأَنَّها خَمرٌ وَلا قَدح ... وَكَأَنَّها قَدحٌ وَلا خَمرُ

ولا يحل هذا المشكل إلا في صورة مثال مناسب مثل حال الفراش أن يبدل نفسه بشعلة الشمع والاشتعال بشعلة الشمع في نفسه بالحرقة عليها، وذكر للفراش باشتعال في نفسه نفس الفراش في نفسه، فلا يبقى التميز بين الشمع والفراش، فإن طلبت الفراش وجد الشمع، وإن طلبت الشمع وجدت الفراش، كما قيل:

أَنامَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا ... نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا

فَإِذا أَبصَرتَني أَبصَرتَهُ ... وَإِذا أَبصَرتَهُ أَبصَرتَنا

فلما بذل الفراش للشمع مقصودة، وهي تحقيق قوله تعالى:"لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا ولسانًا ويدًا ومؤيدًا فبي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يبطش"حديث صحيح رباني، واعلم أن جزاء الذاكر بالذكر فضيلة مخصوصة بهذه الأمة {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي} [البقرة: 152] ، أشكر لكم على نوعين: شكر النعمة، وشكر المنعم، وشكر النعمة أيضًا على نوعين: نعمة ظاهرة من صحة البدن وسلامة الحواس والمال فشكرها أن يستعان بها على الطاعة بما يناسب كل واحد منها، ولا يستعان بها على المعصية، ونعمة الباطن بقوله تعالى: {وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] ، وهي المعاني الواردة على القلوب، وشكره بدوام المراقبة والتزام المحافظة للاستزادة.

وشكر المنعم أيضًا على نوعين: شكر رؤية نعمة التوفيق من المنعم لمعبودية المنعم، وشكر نعمة وجود المنعم ببذل وجوده لوجدان جود وجود المنعم وثنائه في شهوده، ووجدان جوده لا يزيد في عينكم عنكم وشهودي لكم ولا تكفرون بترك طلب الزيادة، فإن ألطافي مع خواص عبادي غير متناهية {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ} [النحل: 18] وأداء شكرها كما قال داود عليه السلام:"إلهي كيف أشكرك وشكري لك نعمة من عندك، فأوحى الله إليه الآن قد شكرتني".

ثم أخبر عن إقامة الشكر بإدامة الصبر بقوله تعالى: {يَآأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ َاسْتَعِينُوا} [البقرة: 153] ، والإشارة فيها بأن من ترك الكفران بالقيام بأداء الشكر، وآمن بالعجز عن أداء الشكر استعينوا على أداء الشكر {بِالصَّبْرِ} [البقرة: 153] ، مع الله وهو من أعمال القلب {وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153] ، وهي من أعمال البدن؛ لتكونوا عمال الشكر، كما قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت