{قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} [الأعراف: 160] ويكون لهم ذلك ممدًا في العبودية ومجدًا في طريق الربوبية.
كما قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [الأعراف: 32] على أن الله تعالى يتجلى ببعض صفاته على روح العبد فيظهر عكس أنوار الربوبية في مرآة القلب، فينعكس منها فيتنور بشعاعها هواء النفس ويقع على ضوء الشعاع على أرض الصدر فيقف الشيطان والنفس على كرامة الله الروح وأتباعه ويشاهدون آثار ألطاف الحق معهم، ولكي يكتمون ما شاهدوا ظلمًا وعدوانًا كقوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 140] ، أيها الشيطان والنفس من الإنكار والتمرد وأيها الروح وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية وأتباعه من التبرؤ عن الأغيار في العبودية والتقرب إلى حضرة الربوبية بالتجرد والتفرد.
ثم أخبر الفريقين عن سلوك الطريقين بقوله تعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} [البقرة: 141] ، والإشارة فيها أن الروح وأتباعه قد خلت ديار الجسمانيات، فإنهم قطعوا مفاوز النفوس والأشباح وعبروا بحار الملكوت والأرواح وبذلوا ليحصلوا وانفصلوا فأدركتهم جذبات العناية، وأوفت لهم الكيل بلا نهاية، فوجدوا ما طلبوا وسعدوا بما كسبوا فيها أنت أيها الشيطان والنفس وأتباعكم فأوقرتم ظهوركم بالإثم والعدوان، وأعظمتم الإساءات إلى أنفسكم بالمنع والحرمان فهلموا إلى ربكم بالمعذرة إن كانت لكم، وهاتوا حجتكم وإن كانت معكم، إلا فبعدًا وسحقًا لكم، ولما طلبتم فتلك {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ} [البقرة: 141] ، و {وَلاَ تُسْأَلُونَ} [البقرة: 141] ، كل فرقة منكم {عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [البقرة: 141] ، فرقة أخرى كقوله تعالى: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] .
ثم أخبر عن إنكار المعرضين بالباطل وإعراض الجاحدين عن الحق بقوله تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَآءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْعَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} [البقرة: 142] ، والإشارة فيها أن من سفاهة الغيبة وجهالة أصحاب الحجة إذا خفيت عليهم أحوال أرباب القلوب، ومشاهداتهم في الغيوب وتصريفهم الحق من حال إلى حال، وتحريفهم من أفعال إلى أفعال يعترضون على حركاتهم وسكناتهم، ويطعنون في كل شيء من معاملاتهم؛ لأنهم ينظرون إليهم بعين الاستقباح وهمتهم الاستفضاح.
وقال تعالى: {قُل للَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة: 142] ، فإن شرقوا فلله وإن غربوا فبالله، فلا توجه لقلوبهم إلا إلى وجه الله {يَهْدِي مَن يَشَآءُ} [البقرة: 142] ، من أوليائه وأحبائه {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142] ، لقائه بآلائه ونعمائه.