ساجدين (سورة الحجر: 28 - 29) . وحتى يكون مؤهلًا لهذه المنزلة كرمه الله تعالى بصفات من شأنها أن تجعله قادرًا على التمييز بين الخير والشر وجعل له الإرادة التي تمكنه من الاختيار بينهما. إن النفس الإنسانية نزاعة بفطرتها للكسب والاكتساب، قال تعالى في وصف طبيعتها {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} (الشمس: 7 - 10) ، خلقها الله سبحانه وتعالى وأودع فيها ما قدّر وأراد من قوة وضعف وذكاء وبلادة وعزم وقعود، وهذه الصفات هي طاقتها الحيوية وأدوا ت النشاط البشري في كل المجالات. وجعل لها نوافذ وأدوات تمكنها من الاختيار الصحيح {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل: 78) ، وقال أيضًا {ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولًا} (الإسراء:36) ، كل هذا وذاك متداخل متراكم لا يقدر على فرزه أحد وإحصائه عددًا وعدلًا إلا الحق المحض جل شأنه {يوم يبعنهم الله جميعًا فينبؤهما بما عملوا أحصاه الله ونسوه والله على كل شيء شهيد} (المجادلة:6) ، يقول مكدوجل في كتابه (الأخلاق والسلوك في الحياة) ، إن كل نزعة من النزعات الفطرية ينبوع من الطاقة. أما أنّ هذه الطاقة ستتجه إلى الخير أو الشر فأمر يتعلق بتوجيهها إلى غايات نبيلة أو وضيعة، كما يتعلق بالتحكم الرشيد في هذا التوجيه. إن كل النزعات الفطرية قديرة على فعل الخير والشر، وهذا يعني أن التربية والتوجيه ضروريان لنزعات الإنسان الفطرية إذا أردنا أن نوجهها وجهة خير نبيلة. (مرسي،1993: 113) قال تعالى {سبح باسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى} (سورة الأعلى: 1 - 2) ، فالإنسان مغروز في جبلته التي أبدعها الله القدرة على التمييز والاهتداء والتعلم ومزود بكل الأدوات التي تمكنه من ذلك قال تعالى {ألم نجعل له عينين ولسانًا وشفتين وهديناه النجدين} (البلد: 8 - 10) ، وقال أيضًا {وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النمل:78) . وقد حظيت النفس البشرية بأن تكون محل قسم من الله تعالى لما اختصت به من فطرة تجعلها قادرة على الاختيار بين الخير والشر، وجعل تزكيتها من الفلاح والخير وإهمالها وتركها الحبل على الغارب من الفشل والشر قال تعالى {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها} (الشمس: 7 - 10) ، وميز الله الإنسان بالقدرة على التعلم وملكه أدوات التعلم؛ التفكير والقراءة والكتابة فكان أول ما نزل من القرآن الكريم قوله تعالى {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ، لقد بدأت عملية التربية القرآنية منذ هذه اللحظة بأسلوب منظومي فمحمد الأمي عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم مكلف بالقراءة بالرغم من أمته، فالقراءة ليست فوق طاقته بل هو مؤهل لها ومهيئ بفطرته وقادر على الامتثال للطلب، وحتى يستطيع حمل الرسالة عليه أن يلج مداخل المعرفة، إن اقرأ بالنسبة للإنسان تعني فتح أبواب العلم والمعرفة أمامه ومفتاحها اقرأ، وامتلاك الإنسان لهذه القدرة هو فضل من الله ميزه فيها على جميع المخلوقات، لذلك وجب أن تكون القراءة باسم الله الذي خلق الإنسان وهداه للقراءة وليس هذا الأمر صعبًا على الله، فقد خلق الإنسان من علق من ماء مهين، ثم كرمه فأنشأه خلقًا آخر تبارك الله أحسن الخالقين، يقول الله تعالى {خلق الإنسان من علق} . (الأعلى: 2) ، {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظامًا فكسونا العظام لحمًا ثم أنشأناه خلقًا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين} . (المؤمنين: 13 - 14) ، منذ البداية ومن هذه اللحظة عليه أن يدرك أنه مخلوق لله كبقية المخلوقات وأن أصل خلقه من مادة هذا الكون وطينه، فلا يغتر بنفسه ولا يتجبر ولا يتأله فالله هو خالقه، وبكرمه تعالى ميزه بالقدرة على امتلاك العلم والمعرفة وامتلاك أدواتها {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} ، وقبل ذلك كان أول مهام المخلوق البشري الأول آدم عليه السلام ودون غيره من المخلوقات، تعلم الأسماء كلها قال تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ايئتوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قال سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم} . (البقرة: 31) ، فالإنسان دون غيره تعلم من ربه ما شاء الله أن يعلمه تكريمًا له وتميزًا، بل هيئه لصفة العلم والله تعالى هو العليم الحكيم، فصفة العلم من صفات الله