ليس القرآن مجرد كتاب يلتزم منهجًا واحدًا لبيان تشريعاته وليس مجرد كتاب أدب يعتنى بهز المشاعر والأحاسيس وإثارة الأخيلة وإنما هو كتاب لتربية الناس ينوع من أساليبه باختلاف المواقف والموضوعات فلم يعبر في كل ما كان واجبًا بمادة الوجوب ولا في ما هو محرم بمادة الحرمة، بل تراه يعبر طورًا عن الواجب بصفة الأمر بالفعل {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (التوبة:103) ، وطورًا يعبر عنه بأنه الفعل المكتوب، {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم} (البقرة: 183) ، وتارة يدل على الوجوب بما يترتب على الفعل في الدنيا والآخرة من خير.
أما ترتيب الخير على الفعل في الدنيا، فمثل قوله تعالى {فمن يتق الله يجعل له مخرجًا، ويرزقه من حيث لا يحتسب} (الطلاق: 3) ، {لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} (فصلت:34) ، فدفع السيئة بالحسنة واجب وهذا الوجوب لم يعبر عنه بمادة وجب، وإنما دل عليه بما رتبه على الفعل في الدنيا من الخير وهي صيرورة العدو صديقًا حميمًا. (البرديسي، 1969: 186)
وأما ترتيب الخير على الفعل في الآخرة فمثل قوله تعالى {من عمل صالحًا من ذكر وأنثى وهو مؤمن، فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب} (غافر:40) ، وكذلك الحال بالنسبة للتعبير عن الحرمة فتارة يعبر عنها بالنهي {ولا تقربوا الزنا} (الإسراء:32) ، وتارة يصف الفعل بالشر وعدم البر ويرتب عليه العقاب {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرًا لهم بل هو شر لهم، سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة} . (آل عمران: 180)
وتارة أخرى يدل على المحرم بما يرتبه على الفعل الآجل أو العاجل من شر مثل قوله {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، فبشرهم بعذاب أليم - يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} (التوبة: 34 - 35) .
إن لهذا الأسلوب قيمته التربوية الكبرى، فإنسان لا يميل إلى الأسلوب المباشر في النصح والإرشاد لأنه يحب دائمًا أن يشعر أنه عندما يأتي فعلًا طيبًا، فإنما يفعل ذلك بدافع داخلي لا بناء على أوامر ونواهي، ومع أن المربي هنا هو الله سبحانه وتعالى مما يوجب على الإنسان أن يستمع إليه وينصاع لما يأمره به وينهاه عنه، إلا أنه يخاطبه بما هو مفطور عليه بغير قهر أو قسر، فكأنه بذلك يبين للإنسان ضرورة أن يسلك مثل هذا السلوك في دعوته لغيره من الناس في تربيتهم وتعليمهم حتى يأتي بالنتائج. (علي، 1978: 23)
2 -التربية بأساء الله وصفاته:
تصور المؤمن لصفات الله يشكل لديه الإحساس المرهف بقدرة الله وطلاقة هذه القدرة، كما يجعله يحس بآثار هذه الصفات فتصرف الله تعالى بهذا الكون وتدبيره المستمر ليس مجرد نظرية بل هو واقع محسوس ملموس مدرك لكل ذي عقل حتى أنه ليعيش هذه الآثار ويصاحبها. في كل شيء من شؤون الحياة فإذا أحس الإنسان أن الله معه دائمًا يأخذ بيده إذا كبا ويسدده إذا زل ويمده إذا أحتاج ويجيبه إذا سأل ويعينه إذا ضعف ويبصره إذا جاهد، عندها يطمئن إلى صلته بالله تعالى وإلى قوة الله تعالى التي لا تغلب وهذا يقويه في نفسه ويقويه على شهواته وأعدائه.
3 -التربية في ظل الأحداث:
تتميز التربية بالأحداث أنها تحدث في النفس حالة خاصة هي أقرب للانصهار. أن الحادثة تثير النفس بكاملها وترسل فيها قدرًا من حرارة التفاعل والانفعال يكفي لظهورها أحيانًا أو الوصول بها إلى قرب الانصهار، وتلك حالة لا تحدث كل يوم في النفس. وليس من اليسير الوصول إليها والنفس في راحتها وأمنها وطمأنينتها، مسترخيه ومنطلقة في تأمل لذلك كان استغلال الحادثة مهمة كبيرة من مهام التربية لينطبع على النفس في حالة