والتفاعل والتوجه المنظومي لما جاء فيه فالقرآن ميسر للتدبر والفهم فقد نزل باللغة العربية المفهومة بالنسبة للعرب وصرف فيه من الأخبار والأمثال والوعد والوعيد ما أحاط بكل شيء ويكفي لتعليم الإنسان وتربيته قال تعالى {إنا جعلناه قرآنًا عربيًا لعلكم تعقلون} (الزخرف:30) . وقال أيضًا {وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين} (الشعراء:193 - 195) . وقال أيضًا {فذكر بالقرآن من يخاف وعيد} (ق:45) وقال {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (الأنعام:38) ، وكان فيما اختتم به القرآن إشارة واضحة إلى تمام ما جاء فيه وكماله فقال تعالى {واليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا} (المائدة:3) .
ومنهج القرآن الكريم منهج عالمي يتصف بالثبات يربي الإنسان أيًا كان لونه ومكانه وزمنه، فهو وحي السماء وكلام خالق الإنسان وبارئه وهو أعلم بما خلق، فهو يعلو ولا يعلو عليه، ترجع إليه العقول وتطمئن به النفوس، من تدبره اهتدى ومن عقله فاز بالدارين الدنيا والآخرة. فقد ضمن لأخلاقه وآدابه الثبات والخلود فربطها بالحق الأصيل الذي قامت عليه السموات والأرض ونسبها إلى الله تعالى وله المثل الأعلى في كل ما خلق ودبر وارتضى من خلق كريم (شديد، 1994: 179) ، {الذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} (النحل: 60) ، {وهو الذي يبدو الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم} (النحل: 60) .
وفي معرض الحديث عن خلق الإنسان الأول آدم عليه السلام ثم تناسل الناس من بعده بيّن القرآن الكريم أن الإنسان منظومة خاصة لها صفاتها الخاصة ولكنها محكومة بعلاقات ونواميس مع بقية المخلوقات والتي تشكل معًا منظومة كبرى؛ الإنسان والكون والحياة. انظر إلى مطلع سورة الزمر كيف تحدثت عن خلق الإنسان في سياق خلق السموات والأرض والليل والنهار والأنعام قال تعالى {خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار - خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم من بطون أمهاتكم خلقًا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا اله إلا هو فأنى تصرفون} (الزمر: 5 - 6) . إن هذا العرض للإبداع وللإتقان وللخلق بعناصره المختلفة يشير إلى منظومة تشكل وحدة واحدة تتوجه فيها العلاقات نحو تأكيد العلاقة الخالقية والإبداع والإتقان، كما أنها تكشف عن علاقة قهر هذه العناصر جميعها بنواميس وسنن من خلق الله وتدبيره مضطردة لها صفة الجريان أو غير مضطردة وليس لها صفة الجريان، ففي مطلع سورة الحج تتضح معالم هذه العلاقات الجلية قال تعالى {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلًا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج - ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء قدير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} (الحج: 5 - 7) . فهذه المنظومة من العناصر المختلفة محكومة بطلاقة القدرة الإلهية في الخلق والتدبير ومن هذا التدبير إرادة الله أن تكون هنالك نواميس وسنن من خلقه سبحانه وتعالى تحكم هذه المنظومة ومسيرتها