الصفحة 11 من 18

ونراهُ يحتجُّ بالرسمِ في اختيارهِ للقراءةِ الموافقةِ لهُ وردِّه لما عداها يقول:"وقوله: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ... } [1] ، لا تُهمزُ في شيءٍ منَ القرآنِ؛ لأنَّها لو هُمزَتْ كانتْ"اسْأَل"بألفٍ. وإنَّما (ترك همزها) في الأمرِ خاصَّة؛ لأنَّها كثيرةُ الدَّوْرِ في الكلامِ؛ فلذلكَ تُركَ همزُهُ كما قالوا: كُلْ، وخُذْ، فلم يهمِزوا في الأمرِ، وهمزوهُ في النَّهى وما سِواهُ. وقد تَهْمِزُهُ العربُ. فأمَّا في القرآن فقد جاءَ بتركِ الهمزِ. وكانَ حمزةُ الزَّياتُ يهمزُ الأمرَ إذا كانتْ فيهِ الفاءُ أو الواوُ؛ مثلَ قولهِ: {واسْأَلِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنَّا فِيهَا} [2] ، ومثلَ قولهِ: {فاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ} [3] ، ولستُ أشتهى ذلكَ؛ لأنَّها لو كانتْ مهموزةً لكُتبتْ فيها الألف كما كتبُوها في قولهِ: {فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا} [4] , {واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا} [5] بالألف". [6]

وفي موضعٍ آخرَ يذكر ما يجوزُ في العربيَّةِ في تخفيفِ الهمزِ في (الرؤيا) ونحوها، و لكنَّهُ يلزمُ ما يوافقُ الرَّسمَ، و لا يعدوهُ، قالَ:"وإذا تُرِكتِ الهمزةُ من (الرُؤْيا) قالوا: (الرُّويَا) طلبًا للهمزةِ. وإذا كانَ مِن شأنِهم تحويلُ الهمزةِ قالوا: (لا تقصصْ رُيّاكَ) في الكلامِ، فأمّا في القرآن فلا يجوزُ لمخالفةِ الكتابِ". [7]

وقالَ عندَ قولِهِ تعالى: {إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [8] :"وقرأَ أَبو عمرٍو: {إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرَان} ، واحتجَّ أَنَّهُ بلغَهُ عنْ بعضِ أَصحابِ محمدٍ صَلَّى الله عَليهِ وسَلَّم أنَّهُ قالَ: إنَّ في المصحفِ لَحْنًا وستقيمُهُ العربُ."

قالَ الفرّاءُ: ولستُ أشتهي على أنْ أخالفَ الكتابَ ... ، فقراءتُنا بتشديدِ (إنّ) وبالألفِ على جهتينِ:

إحداهما: على لغةِ بنى الحارثِ بنِ كعبٍ: يجعلونَ الاثنينِ في رفعِهما، ونصبِهما، وَخفضِهما بالألِفِ، وأنشدني رجلٌ من الأَسْدِ عنهم. يريدُ بنى الحارثِ:

فأَطرقَ إطراقَ الشُّجاعِ ولو يرى * مَسَاغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لصَمَّما

قال: وما رأيتُ أفصحَ منْ هذا الأسْدىِّ.

(1) سورة البقرة / 211.

(2) سورة يوسف / 82.

(3) سورة يونس / 94.

(4) سورة طه / 77.

(5) سورة الكهف / 32، و يس / 13.

(6) ينظر: معاني الفراء 1/ 124 ـ 125.

(7) ينظر: المصدر السابق 2/ 35.

(8) سورة طه / 63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت