الصفحة 8 من 18

[1] ، فالمختارُ عندَهُ أنْ يتَّبعَ رسمَ المصحفِ حينَ يجتمعُ مع موافقةِ العربيَّةِ ولو بوجهٍ، ويُروى عن القُرَّاءِ، وتأملْ تنكيرَهُ لـ (وجهًا) في موافقةِ العربيَّةِ فيشملُ الشَّاذَّ والنادرَ وما لا ينقاسُ، و جمعِهِ (القُرَّاء) وما يشي بهِ من معنى الاستفاضةِ والشُّهرةِ.

بلغَ عددُ الآياتِ القرآنيةِ التي أشارَ الفرَّاءُ إلى أوجهٍ من القراءةِ فيها ما يقارب خمسًا وثمانينَ وسبعَ مائةِ آية، منها ما بناهُ على قراءةٍ قرئتْ بها، و منها ما ذكرهُ على أنَّهُ وجه جائزٌ في العربية وكثيرا ما يصادفُ ذلك وجهًا قُرئت بهِ الآيةُ، أكانَ هذا الوجهُ صحيحًا أم شاذًّا، ولكنَّهُ لم يحفظه فيهِ، فلم يشر إليهِ قراءةً.

إنَّ ممَّا لاشكَّ فيهِ أن معاني القرآن للفرَّاءِ من أهمِّ مصادرِ النحوِ الكوفيِّ عامَّة، ونحوِ الفرِّاء خاصَّة، وقد كانَ الفرَّاء يسيرُ في ظلِّ القراءاتِ يستنبطُ منها قواعدَهُ وأصولَهُ النحويَّةَ، ويكفي أن أشير إلى مثالينِ يدلِّلُ فيهما على قواعدَ كلّيَّةٍ بالقرآنِ الكريمِ يستنبطها، ويحكمُ باطِّرادِها، يقولُ عندَ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [2] :" {وَجِلَة من أنهّم} ، فإذا ألقيتَ (مِن) نصبتَ، وكلُّ شيءٍ في القرآنِ حذفتَ منه خافضًا فإنَّ الكسائيَّ كَانَ يَقولُ: هو خَفضٌ عَلَى حَالِهِ. وقد فسّرنا أنَّهُ نصبٌ إذا فُقِدَ الخافضُ". [3]

ويقولُ في (ذهبًا، وصيامًا) من قولِهِ تعالى: {فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا} [4] ، و قولِهِ سبحانَهُ وتعالى: {أوْ عَدْلُ ذلك صِيَامًا} [5] :"وإنَّما يُنصبُ على خروجِهِ من المقدارِ الذي تراهُ قد ذُكرَ قبلَهُ، مثل (ملءُ الأرضِ) ، أو (عَدْلُ ذلك) ، فالعَدْلُ مقدارٌ معروفٌ، وملءُ الأرضِ مقدارٌ معروفٌ، فانصبْ ما أتاكَ على هذا المثالِ ما أُضيفَ إلى شيءٍ لهُ قدْرٌ". [6]

فإذا نظرنا إلى ذلكَ من الجهةِ التي يُعنى بها هذا البحثُ مِمَّا يتعلَّق بشروطِ القراءةِ وجدنا ذلكَ مبثوثًا في معانيهِ لا تخطئُهُ العينُ.

(1) ينظر: معاني الفراء 2/ 293.

(2) سورة المؤمنون / 60.

(3) ينظر: معاني الفراء 2/ 238.

(4) سورة آل عمران / 91.

(5) سورة المائدة / 95.

(6) ينظر: معاني الفراء 1/ 225.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت