الصفحة 9 من 18

أمَّا السَّندُ فهو شديدُ الاعتدادِ بهِ، وأعلاهُ ما اجتمعَ عليهِ القرَّاءُ، أو منْ يسمِّيهم العامةَ أحيانا، أو أكثرُهم، فيقدِّمُ قراءتَهم وإنْ نقلَ عنْ أحدِ القرَّاءِ غيرَ تلكَ القراءةِ مما يجوزُ مثلُها، قالَ:" {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} [1] واجتمعَ القرَّاءُ على (يُخْرِبونَ) إِلا عبدَالرحمن السُّلمىَّ، فإنَّهُ قرأَ (يخرّبون) ... ، وكلٌّ صوابٌ. والاجتماعُ من قراءةِ القُرَّاءِ أحبُّ إلىَّ". [2]

وجاءَ في موضعٍِ آخرَ"وقوله: {وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ ... } [3] ، قرأ الناس (وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ) إلاّ مجاهدًا فإنه قرأَ (وَأُخَرُ) كأنه ظنّ أن الأزواج لا تكون من نعتٍ واحِدٍ. وإذا كان الاسم فعلًا جاز أن ينعت بالاثنين والكثير؛ كقولك في الكلام: عذاب فلان ضروب شتّى وضربان مختلفان. فهذا بَيّن. وإن شئت جَعلت الأزواجَ نعتًا للحَميم وللغساقِ ولآخَرِ، فهنَّ ثلاثةٌ، وأنْ تجعَلْهُ صفةً لواحدٍ أشبهُ، والذي قالَ مجاهدٌ جَائزٌ، ولكنِّى لا أستحبُّهُ لاتّباعِ العَوَامِّ وبيانِهُ في العربيَّةِ. [4] "

وقالَ عندَ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى} [5] :"والقراءُ مجتمعون على تشديدِ {قَدّرَ} ، وكانَ أبو عبدِالرحمنِ السُّلَمِىِّ يقرأُ: (قَدَر) مخفَّفةً، ويرونَ أنَّها من قراءةِ عليِّ بنِ أبى طالبٍ (رحمه الله) ، والتَّشديدُ أحبُّ إلىَّ لاجتماعِ القُرَّاءِ عليهِ". [6]

وقالَ عندَ قولِهِ تعالى: {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ... } [7] في {ويتوب} :"بالنصب عَلَى الإتباعِ، وإنْ نويتَ بهِ الائتنافَ رفعتهُ، كما قالَ: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ في الأرْحَامِِ} [8] ، إلا إنَّ القراءةَ {وَيَتُوبَ} بالنَّصبِ". [9]

ولكنَّهُ مع ذلكَ لا يردُّ وجهًا خالفَ القرَّاءَ قد قُرئَ بهِ، بل قد يستحسنهما، أو يحكمُ بصوابهما، قالَ عندَ قولِهِ تعالى: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ... } [10] ، فهذا وجهٌ قد قرأتْ بهِ العامَّةُ. وقرأَ أصحابُ عبدِ الله: ولا تَقْتلوهم عِند المسجِد الحرام حتى يَقْتلوكم فيه فإن قَتَلوكم

(1) سورة الحشر / 2.

(2) ينظر: معاني الفراء 3/ 143.

(3) سورة ص / 58.

(4) ينظر: معاني الفراء 2/ 410 ـ 411.

(5) سورة الأعلى / 3.

(6) ينظر: معاني الفراء 3/ 256.

(7) سورة الأحزاب / 73.

(8) سورة الحج / 5.

(9) ينظر: معاني الفراء 2/ 351.

(10) سورة البقرة / 191.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت