وَلا صِلَةَ بَيْنَ التَّوَرُّقِ وَبَيْنَ الْعِينَةِ إِلا فِي تَحْصِيلِ النَّقْدِ الْحَالِّ فِيهِمَا، وَفِيمَا وَرَاءَهُ مُتَبَايِنَانِ؛ لأَنَّ الْعِينَةَ لا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُجُوعِ السِّلْعَةِ إِلَى الْبَائِعِ الأَوَّلِ بِخِلافِ التَّوَرُّقِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ رُجُوعُ الْعَيْنِ إِلَى الْبَائِعِ، إِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفُ الْمُشْتَرِي فِيمَا مَلَكَهُ كَيْفَ شَاءَ.
جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إِبَاحَة التورقِ، سَوَاءٌ مَنْ سَمَّاهُ تَوَرُّقًا وَهُمُ الْحَنَبِليَةُ، أَوْ مَنْ لَمْ يُسَمِّهِ بِهَذَا الاسْمِ، وَهُمْ مَنْ عَدَا الْحَنَبِلَيةِ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا} ( [6] ) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم: (بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا) ( [7] ) ، وَلأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ قَصْدُ الرِّبَا وَلا صُورَتُهُ، وَكَرِهَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُوَ خِلافُ الأَوْلَى، وَاخْتَارَ تَحْرِيمَهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الْقَيِّمِ لأَنَّهُ بَيْعُ الْمُضْطَرِّ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِبَاحَتُهُ ( [8] ) .
قال المرداوي الحنبلي في الإنصاف: «فائِدَةٌ: لَوْ احْتَاجَ إلَى نَقْدٍ، فَاشْتَرَى مَا يُسَاوِي مِائَةً بِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ، فَلا بَأْسَ. نُصَّ عَلَيْهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الأَصْحَابُ. وَهِيَ مَسْأَلَةُ التَّوَرُّقِ. وَعَنْهُ يُكْرَهُ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. فَإِنْ بَاعَهُ لِمَنْ اشْتَرَى مِنْهُ: لَمْ يَجُزْ. وَهِيَ، الْعِينَةُ. نُصَّ عَلَيْهِ» ( [9] ) .