وَبِخِلافِ مَا إذَا تَعَيَّبَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْبَائِعُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الأَوَّلِ لأَنَّ النُّقْصَانَ يُجْعَلُ فِي مُقَابَلَةِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ الَّذِي احْتَبَسَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَبِخِلافِ مَا إذَا اشْتَرَى بِدَنَانِيرَ قِيمَتُهَا أَقَلُّ مِنْ الثَّمَنِ الأَوَّلِ قِيَاسًا، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لأَنَّ رِبَا الْفَضْلِ لا يَتَحَقَّقُ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِير، وَفِي الاسْتِحْسَانِ لا يَجُوزُ لأَنَّهُمَا مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ شُبْهَةُ الرِّبْحِ» ( [17] ) .
وقال الكاساني في البدائع: «وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا بَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا نَقْدًا أَوْ نَسِيئَةً، وَقَبَضَهُ الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَنْقُدْ ثَمَنَهُ - أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِبَائِعِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْ مُشْتَرِيهِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهِ الَّذِي بَاعَهُ مِنْهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَجُوزُ» ( [18] ) .
بعد استعراض آراء الفقهاء في التورق ونصوصهم فيه، والأدلة التي اعتمدوا عليها، أرى أن الراجح هو القول بجوازه بدون كراهة عند الحاجة إليه، وكراهته عند عدمها، فالتورق نوع بيع ليس فيه مخالفة لأحكام البيع المطلق، وكل ما فيه أنه شراء ما لا يراد الانتفاع بعينه، بل بقيمته، وهو مثل ما يشتريه التجار لا أكثر من ذلك ولا أقل، فالتجار جميعًا يشترون البضائع بقصد ثمنها وليس بقصد الانتفاع بعينها، ولم يقل أحد من الفقهاء بحرمة ذلك، بل هو عين التجارة التي أباحها الله تعالى بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ