في نظره متعارضة مع الدين، ومع القرآن على الأخص، فردَّها وأبطلها بمقدار ما أسعفته الحُجَّة، وانقاد له الدليل. [1]
وقد برز في القرن الرابع، والقرن الخامس، علماء جمعوا بين الفقه والكلام، من المالكية والشافعية، مثل القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والإمام المازري، وحجة الإسلام الغزالي. وتأثر الفقه من ذلك إلى مدى بعيد جدًا، بالأوضاع الكلامية. وبرزت أصول الفقه على صورتها البادية في كتابي التقريب والإرشاد للباقلاني، وكتاب البرهان لإمام الحرمين فكانت نقطة الاتصال بين التعاليم الشرعية والمباحث الفلسفية.
وامتاز القرن الخامس بتلاقي الطرفين المتباعدين: وهما الحديث والكلام؛ إذ ظهر في القرن الخامس محدثون متكلمون منهم أعلام ازدان بهم المغرب العربي: مثل الإمام المازري، والقاضي أبي بكر بن العربي، والقاضي عياض [2] .
ومع بداية القرن السادس أصبح للثقافة الإسلامية هيكل واضح المعالم فقد نشط العقل وازدهرت المعارف الدينية، والفلسفية كما هو مذهب الأشعري، لا على أنها مسيطرة عليها كما كان مذهب المعتزلة، وأعان على ذلك جودة فهم الحكمة وحسن تنقيتها منذ تدفقت ينابيعها الصافية في كتب ابن سينا التي كان إشعاعها في مطلع فجر القرن الخامس.
كان هذا التسلسل العجيب للأحداث وهذه الحركة من الدفع والرد التي استمرت أكثر من ثلاثة قرون، تأخذ في خضمها، على السواء العرب والأعاجم، قد كانت تهيئة لأن يظهر في منتصف القرن السادس كوكب عربي في الأفق الأعجمي، يكون قطب الاهتداء الذي توجهت به الحركة الثقافية الإسلامية وجهتها الواضحة المطردة، وبلغت به الحكمة القرآنية أوجها الأعلى في أفلاك الحكمة الإنسانية العامة [3] .
(1) -التفسير والمفسرون، محمد حسين الذهبى، ج 4/ ص 348.
(2) - ابن عاشور التفسير ورجاله، ص 69.
(3) - التفسير ورجاله، ابن عاشور، ص 72.