أشعر بالضياع والغربة في المجتمع، والوحشة في هذه الدنيا، كنت في بداية شبابي خائفا وقلقا ليس كبقية الشباب، وفي تعليمي الثانوي كنت على درجة عالية من الذكاء والاستيعاب -بحمد الله- ولكن تأجيلي للمذاكرة، وعدم القدرة على المذاكرة لفترة طويلة، ونسياني الدائم، وتفكيري الزائد في أمور الدنيا؛ جعلني لا أستطيع أن أدخل كلية مرموقة قبل سن (24)، وكانت حياتي الأصل فيها الرهبة والقلق والخوف من القادم، وعدم حب المناسبات الاجتماعية، وكنت أشعر أن الدنيا رحلة قاسية، أنا غريب وغير مؤهل فيها، وغير مستعد لها.
عندما التحقت بالمعهد الطبي لحقني هذا القلق والانطواء، ولم أحب عملي في المستشفى، ولا في الإسعاف، ولذلك لا أقوم بعملي كما يجب؛ لخوفي من المهنة، وكنت لا أستطيع استيعاب فكرة الزواج، وكنت أشعر أني ما زلت طفلا أو مراهقا، حتى إن أهلي أرادوا أن يزوجوني مع أخي فرفضت بكل قوة، وكنت أخجل من الزواج والارتباط بفتاة، ومناسبات الزواج، مثل الخطوبة، وكتب الكتاب، والفرح، والدعاية، حتى أني كنت أقول: لن أتزوج أبدا، أو ربما في الأربعين، أو يفتح الله على نفسي. كأنني كنت أعيش في غيبوبة أو مرض، والناس لا يفهموني.
الآن أشعر كأني استيقظت من النوم، وأشعر بحزن وندم وحسرة على الماضي، وضيق من انفلات شبابي مني، وأنا لا أشعر به، وفجأة أحسست بالكبر، وأن شبابا مثلي وأصغر مني فعلوا ويفعلون أشياء كنت لا أتخيل أني أفعلها، وكنت أستصعبها كقيادة السيارة، وإقامة علاقات عاطفية متعددة، والزواج المبكر، أشعر باستغراب وندم، لكن بعد فوات الأوان، رغم أن علاقتي بربي قوية -ولله الحمد- أشعر أني كنت في حلم واستيقظت، أو أنني الآن في حلم فبدأت أغيّر من حياتي بتدبير الزواج، وممارسة الرياضة بالذهاب لصالة كمال الأجسام، وأريد أن أتعلم القيادة.
أريد أن أنقل نفسي من عملي الحالي؛ لعدم شعوري بالراحة فيه، ولأنني أهابه، ولإحساسي أن رزقه حرام، وأبحث عن عمل آخر بجانب وظيفتي التي أنا مقصر فيها أصلا، وأريد أن أحقق ما لم أستطع تحقيقه، وأدخل في مجال البحث العلمي، وأصبح عالما مكتشفا أو مخترعا؛ لأفيد أمتي والبشرية، ولأنني أشعر بشهوة المجد والشهرة تقتلني، فأنا واسع الاطلاع والقراءة في المواضيع العلمية منذ الصغر، ولو رأيتني وأنا أفكر وأقرأ في مواضيع أكبر؛ لقلت أني سأصبح ذو شأن في المستقبل، لكن خاب أملي كثيرا؛ لأن الحياة تبدو أصعب وأعقد مما أعتقد.
وكلما أريد أن أنهض بحياتي العملية والعلمية والاجتماعية؛ ثبطني الماضي الذي ضاع، وشبابي الذي لم أستغله، ولا أدري بسبب مرض نفسي أم أنا لي دخل في ذلك؟ ورغم أني أفكر كثيرا إلا أني أعمل قليلا، فشيء ما يوقفني ويثبطني أراه من شباب أصغر مني، ويفعلون أشياء لم أفكر في فعلها عندما كنت في سنهم، فأشعر بدءا من سن (16) حتى (23) أنه جرى ولم أشعر، ولكن عندما أفكر في القضاء والقدر والنصيب؛ أرتاح، ولكن أقول لنفسي: ربما أني لم أواجه، أو أبذل جهدا أكبر رغم أني أعتقد أني بذلت ما في وسعي؛ لأتغير وأصبح مثل بقية الشباب في المجتمع.
ويأتيني وسواس أن حياتي كانت ستكون بشكل أفضل ومختلف عن هذا، فهل أنا بشخصيتي هذه منطو وما كنت لأفعل أكثر من الذي فعلته أم أني كنت أمرّ بمرض نفسي؟ هل أنا تأخرت أم أني لم أكن موفقا ابتلاء من ربي؟
أفيدوني، وشكرا جزيلا، وآسف على الإطالة.