أرشيف المقالات

نظرات في الأدب:

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
8 الأدب والمجتمع كان من نتائج شيوع المذاهب الاشتراكية، أن بدأ كثير من الكتاب - ولاسيما دعاة تلك المذاهب - يتجهون في كتاباتهم اتجاهاً جمعياً؛ ويحاولون أن يعالجوا كل ما يمس المجتمع من قريب أو من بعيد؛ ويجهدون - قدر الطاقة - في وسم كل إنتاج لهم بالميسم الاجتماعي. ولا شك أن هذا الاتجاه إلى معالجة شئون المجتمع، والنظر إليها هذه النظرة الفاحصة الممحصة لمما يحمد أثره في النهوض بالشعوب والرقي بالأمم. ولا شك في أنه أيضاً اتجاه طبيعي إلى حد كبير؛ وهو - في ذاته - معقول ومجد، لأنه يتفق وغلبة النزعة الاشتراكية على بلاد العالم جمعاء.

حتى الديمقراطية منها. ولكن كل هذا - وإن كنا نقره ونعترف به - لا يبرر - بأي حال - وجوب اتجاه الأدب - بوصفه فناً من الفنون الجميلة - إلى المجتمع.

والمجتمع فحسب: يعالج شئونه، ويجاهد أن يحل قضاياه، ويتلمس أن يتعرف علله الظاهرة منها والباطنة؛ ثم هو لا يتجه من بعد ذلك إلى غير هذا؛ فهو من المجتمع: ابنه البكر ووليده المشمول برعايته - وإليه؛ ولا ينبغي أن يبتعد عنه ويروح يغوص في لجج التيارات الفردية والنزعات الإنسانية التي تلغي قيود الزمنية والمكانية. .

هذا بعينه - هو ما يذهب إليه دعاة الأدب للمجتمع.

ذلك النفر المغالي في إنكار الذات إلى حد غير متقبل عقلاً وبداهة لقد ظن أولئك الدعاة أن الأديب يحيد عن رسالته الروحية حين لا يصرف كل جهوده في توجيه المجتمع وحل قضاياه؛ وارتأوا أن في انتهاجه المنحى الفردي - الذي يحصر حدود الكلام فيما يعتلج في النفس ويدور حولها ويتعلق بها ويرتد إليها - انحرافاً يستدل منه على أنه لا يماشي المجتمع ويجري وراء الأوهام والتعلات! وهذا قول من شأنه أن يضيق من حدود مجالات الأدب الفسيحة، حتى يضيق الأدب به ويضيق بأصحابه على خلاف ما يتوهمون! إن الأدب - أسوة بغيره من الفنون - تعبير.

تعبير بكل ما نريد بهذه الكلمة م معاني (الإفصاح والإبانة والتجلية).
وفن هذا شأنه وهذه طبيعته، لا يمكن أن نقسره على أن يكون صدى لمجتمع بعينه أو بيئة بعينها.
وكل ما ينبغي أن نطالبه به وننشده فيه، هو أن يكون صادقاً مبيناً صادراً عن نفس تحس فتتأثر ثم تؤثر. والكاتب حين يصدر في إنتاجه عن حس صادق مستوفز للمؤثرات والحوافز، وملكة مواتية ذلول تموج فيها تيارات الإلهام الدافق المتفجر - لا يمكن أن يكون (مسؤولاً) بعد ذلك، عما إذا كان قد تناول شؤون المجتمع أم طوى كشحاً عنها.

لا يمكن أن يكون (مسؤولاً) في (عرف) آلهة الفن وحواريه وملائكته.

وشياطينه أيضاً! ولا علينا بعد ذلك أن يكون (مسؤولاً) أمام المجتمع أو أمام الساسة المهرجين! أجل.

حسب الأديب الفنان أنه عبر.

في صدق وإخلاص يكون لهما في القلب رنين.

حسبه هذا، وكفى به رصيداً - أي رصيد - يضم إلى تراث الإنسانية الرفيع! وتعبير هذا شأنه من الصدق وتحري نفحات الإلهام هو - من غير شك - لذو أثر في السمو بالإنسانية عامة - أيا كان لونه واتجاهه.
ولا يعنينا - بعد ذلك - أن يكون إحساس هذا الأثر جلياً ظاهراً للعيان، صادرا عن مجاوبة مجتمع بعينه، أم خفياً ينسرب إلى التراث الإنساني في خفة العصفور الدقيق الرشيق.

بل إني لأراه أطيب وأوقع في النفس، وأقوى على تحمل البقاء في رصيد الإنسانية، حال خفائه وإنسرابه إليه في خفة العصفور الدقيق الرشيق! وأني لأسمع الكثيرين يتساءلون حين يصادفون نتاجاً أدبياً، يتناول وقائع خاصة أو أحداثاً شخصية فردية بحتة، بحيث لا تمس أحوال المجتمع في كثير أو قليل.

إني لأسمعهم يتساءلون في أسى وحيرة: (.

وما جدوى هذا الإنتاج للمجتمع؟!)
.

وما أحراهم أن يديروا هذه الأسئلة التالية في عقولهم - وفي قلوبهم أيضاً! - ليجدوا المخلص من أساهم وحيرتهم اللذين لا مبرر لهما.

في نظري: أليس هذا الإنتاج (إنسانيا) على كل حال؟ أليس المجتمع - في ذاته - ليس إلا مجموعة أفراد؟.

ومهما تمايزت المجتمعات واختلفت الشعوب وتباينت النحل والأجناس، ألا توحد بينهما جميعاً رابطة الإنسانية العليا؟!.

ثم.

أليس في حكم البدائة المقررة أن النفس الإنسانية - مهما تعددت في شكولها الظاهرية، وبالنسبة إلى الزمنية والمكانية - واحدة في جوهرها وفي صميم فطرتها الأصيلة؟! .

ولا ينبغي أن يخشى أولئك الاجتماعيون - الذين يريدون أن يستأثروا بهذا الوصف وحدهم.

لست أدري لماذا؟! - لا ينبغي أن يخشوا أن ينحرف الأديب - إذا لم يقيد إنتاجه بالغرض الاجتماعي والهدف النفعي - إلى قضايا الشر يؤيدها ويمجدها ويحث على إثارتها.

فيهود بذلك المجتمع ويصبح حرباً عليه، حين كان يؤمل فيه - لو أنه توجه في تياره - أن يكون عوناً له ونوراً به يستضئ.

لا ينبغي أن يخشى أولئك الاجتماعيون، شيئاً من ذلك على الإطلاق، لأننا لا نعرف الفنان إلا خيراً، ولا نعرف الفن إلا خيراً صرفاً كله؛ لأنه لا يجوز في الذهن - والفنون بالبداهة أسمى كنوز الإنسانية، وأغلى ما تعتز به من تراث - أن تكون نفس الفنان مركبة على حب الشر والنزوع إليه.
وما هذا الأدب الشرير الذي منه يتوجسون وعلى مجتمعهم منه يشفقون، إلا غطاء ظاهري نسجه المجتمع اللعين، وظاهره في ذلك القدر فطمر على ينابيع الخير الثرة في النفس الفنانة الشفيفة .

لا خوف على الإنسانية من شر ظاهري زائف، يفضحه الخير المتأصل في النفس - ونعني بها هنا نفس الفنان - تأمل الخصب في الأرض الطيبة السمحة! (مصر الجديدة) عبد العزيز الكرداني

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣