أرشيف المقالات

{ واستعينوا بالصبر والصلاة.. }

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ﴾




قال تعالى في سورة البقرة: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ [البقرة: 45، 46].




﴿ وَاسْتَعِينُوا ﴾ الاستعانة: طلب المعونة؛ أي: استعينوا على أموركم ﴿ بِالصَّبْرِ ﴾ الصبر: حبس النفس على المكروه، وقدم الصبر على الصلاة؛ قيل: لأن تأثير الصبر في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، والنفي مقدم على الإثبات.

 
وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3].
 
قال أهل العلم: والصبر ثلاثة أنواع -وأخذوا هذا التقسيم من الاستقراء-:
الأول: الصبر على طاعة الله.

والثاني: الصبر عن معصية الله.

والثالث: الصبر على أقدار الله.
 
فالصبر على الطاعة هو أشقها وأفضلها؛ لأن الصبر على الطاعة يتضمن فعلًا وكفًّا اختياريًّا: فعل الطاعة، وكف النفس عن التهاون بها، وعدم إقامته، فهو إيجادي إيجابي.
 
والصبر عن المعصية ليس فيه إلا كفٌّ فقط؛ لكنه أحيانًا يكون شديدًا على النفس، ولهذا جعل النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الشابَّ الذي دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: "إني أخاف الله" في رتبة الإمام العادل من حيث إن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وإن كان الإمام العادل أفضل؛ لأن قوة الداعي في الشباب، وكون المرأة ذات منصب وجمال، وانتفاء المانع فيما إذا كان خاليًا بها يوجب الوقوع في المحذور؛ لكن قال: "إني أخاف الله"، ربما يكون هذا الصبر أشق من كثير من الطاعات؛ لكن نحن لا نتكلم عن العوارض التي تعرض لبعض الناس؛ إنما نتكلم عن الشيء من حيث هو؛ فالصبر على الطاعة أفضل من الصبر عن المعصية، والصبر عن المعصية أفضلُ من الصبر على أقدار الله؛ لأنه لا اختيار للإنسان في دفع أقدار الله؛ لكن مع ذلك قد يجد الإنسان فيه مشقة عظيمة؛ ولكننا نتكلم ليس عن صبر معين في شخص معين، قد يكون بعض الناس يفقد حبيبه أو ابنه أو زوجته، أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا أشق عليه من كثير من الطاعات من حيث الانفعال النفسي، والصبر على أقدار الله ليس من المكلف فيه عمل؛ لأن ما وقع لا بُدَّ أن يقع صبرت، أم لم تصبر.
 
﴿ وَالصَّلَاةِ ﴾ تكون عونًا إذا أتى بها على وجه كامل.
وهي التي يكون فيها حضور القلب، والقيام بما يجب فيها أما صلاة غالب الناس اليوم فهي صلاة جوارح لا صلاة قلوب؛ ولهذا تجد الإنسان من حين أن يكبِّر ينفتح عليه أبواب واسعة عظيمة من الهواجس التي لا فائدة منها؛ ولذلك من حين أن يسلِّم تنجلي عنه وتذهب؛ لكن الصلاة الحقيقية التي يشعر الإنسان فيها أنه قائم بين يدي الله، وأنها روضة فيها من كل ثمرات العبادة لا بد أن يَسْلوَ بها عن كل همٍّ؛ لأنه اتصل بالله عز وجل الذي هو محبوبه، وأحب شيء إليه؛ ولهذا قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ"؛ [النسائي]، أما الإنسان الذي يصلي ليتسلى بها، لكن قلبه مشغول بغيرها، فهذا لا تكون الصلاة عونًا له؛ لأنها صلاة ناقصة؛ فيفوت من آثارها بقدر ما نقص فيها، وكثير من الناس يدخل في الصلاة، ويخرج منها لا يجد أن قلبه تغير من حيث الفحشاء والمنكر، هو على ما هو عليه؛ لا لانَ قلبه لذكر، ولا تحوَّل إلى محبة العبادة.
 
وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة، فقد أشار إليها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها النهي عما لا يليق، وذلك في قوله: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]، وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ [طه: 132]؛ ولذا كان -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إذا حزبه أمر [نزل به أمر] بادر إلى الصلاة.
 
وإيضاح ذلك: أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه، هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله، ورهبة منه؛ فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.
 
على أن في الصلاة سرًّا إلهيًّا لعلَّه ناشئ عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي؛ فلذلك نجد للصلاة سرًّا عظيمًا في تجلية الأحزان، وكشف غمِّ النفس، وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين.
 
قال ابن عاشور: "خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلُّق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمَّات، له أحسن وقع من البلاغة..
فالأمر بالاستعانة بالصبر؛ لأن الصبر ملاك الهدى، فإن مما يصدُّ الأمم عن اتباع دين قويم إلْفَهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمُّل مفارقتها، فإذا تدرَّعُوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق، وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكيد الأمر بها الذي في قوله: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ﴾ [البقرة: 43]، وهذا إظهار لحسن الظَّنِّ بهم، وهو طريق بديع من طرق الترغيب".
 
﴿ وَإِنَّهَا ﴾؛ أي: الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ والمراد بالكبيرة هنا: الصعبة التي تشق على النفوس، وإطلاق الكبر على الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في كلام العرب؛ لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير في حمله أو تحصيله، قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ﴾ [البقرة: 143]، وقال: ﴿ وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ ﴾ [الأنعام: 35]، وقال: ﴿ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الشورى: 13].
 
﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ الخشوع: قريب من الخضوع، وأصله: اللين والسهولة، وقيل: الاستكانة والتذلُّل.
 
والمعنى: وإنها لكبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين، وهم المتواضعون المستكينون، وإنما لم تشق على الخاشعين؛ لأنها منطوية على أوصاف هم متحلون بها لخشوعهم من القيام لله، والركوع له، والسجود له، والرجاء لما عنده من الثواب، فلما كان مآل أعمالهم إلى السعادة الأبدية، سهل عليهم ما صعب على غيرهم من المنافقين والمرائين بأعمالهم الذين لا يرجون لها نفعًا.
 
فتحقيق العبادة لله سبحانه وتعالى بالخشوع له مما يسهل العبادة على العبد؛ فكل من كان لله أخشع كان لله أطوع؛ لأن الخشوع خشوع القلب، والإخبات إلى الله تعالى، والإنابة إليه تدعو إلى طاعته.
 
﴿ الَّذِينَ يَظُنُّونَ ﴾ يوقنون، والظنُّ: ترجيح أحد الجانبين، وهو الذي يعبر عنه النحويُّون بالشك، وقد يطلق على التيقُّن، ومنه: ﴿ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ﴾ [الحاقة: 20].
 
﴿ أَنَّهُم مُلَاقُوا رَبِّهِمْ ﴾ الملاقاة: مفاعلة تكون من اثنين؛ لأن من لاقاك فقد لاقيته، وحمله الجمهور على ظاهره من غير حذف ولا كناية بأن اللقاء هو رؤية الباري تعالى، ولا لقاء أعظم ولا أشرف منها، وقد جاءت بها السنة المتواترة، وإلى اعتقادها ذهب أكثر المسلمين﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢