أرشيف المقالات

أيها الشاب كن وفيا

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2أيها الشاب كن وفيًّا

الوفاء من شِيَم الكرام، حقيقةً يؤكِّدها العقلاء، ويُجمع عليها العامَّة البُسطاء، ويطالب بها دومًا الخصماء والشركاء، ومتى رأيت المرء يفي بحقوق الآخرين، ولا يجحدهم شيئًا، عرفت أنه مقبول بينهم، محبوب بين كرامهم.
 
هكذا فُطرت النفوس، وتاقت إلى جماله ولذَّته القلوبُ، وتفتَّقت لسمو مكانته ورفعة درجته العقول.









1 2 3

لا   يرتضي   حرٌّ   بمنزلِ    iiذِلَّةٍ
لو  لم  يجد  في  الخافقين   iiمقيلاَ
فارْضَ الوفاءَ بعزِّ نفسك لا iiتكن
ترضى المَذلَّة  ما  وجدتَ  iiسبيلاَ
واخصُصْ بودِّك من خبرتَ وفاءَه
لا   تتَّخذ   إلا   الوفيَّ    iiخليلاَ










فلما كان هذا الخُلق صعب المنال، وجدتَ خُلقَ الجحود له بديلاً، وصار الناس أميل إليه وأقرب في معاملاتهم مع من له فضل عليهم، ومن أسدى لهم خيرًا وإحسانًا.









1 2

أترجو في زمانك صفْوَ iiعيشٍ
وقد عَرِيَ الزمانُ من الصفاءِ
وتَأْمُلُ مِن  بَني  الدنيا  iiوفاءً
وما  شيءٌ  أعزَّ  من  iiالوفاءِ










بداية رحلة الجحود سيئة منذ بدء الخليقة، فقد جحد إبليس خالقَه، فقال جحودًا واستكبارًا: ﴿ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾ [الإسراء: 61]، إن رفضَ السجود كان جحودًا عظيمًا للخالق جل في علاه، ونكرانًا لعظيم فضله عليه؛ إذ جعله زعيمًا مُتوَّجًا على الجن، ولكنه أخذتْه العزة بالإثم فساقتْه إلى جهنم وبئس المصير.
 
وورث كلُّ بعيد عن الحق أو مفرِّطٍ فيه هذا الخُلقَ الذميمَ، وسار في بني آدم سريانَ النار في الهشيم، فتنكَّروا لخالقهم ومولاهم، فخيره وفضلُه إليهم نازل، وشرُّهم إليه صاعد، يتحبَّب إليهم بالنِّعم، ويتبغَّضون إليه بالمعاصي، والعجيب أنهم "فقراء إليه؛ فلا إحسانه وبره وإنعامه عليهم يصدهم عن معصيته، ولا معصيتهـم ولومهم يقطع إحسان ربهم عنهم، فألأمُ اللؤمِ تخلُّفُ القلوب عن محبة مَن هذا شأنه، وتعلُّقها بمحبة سواه".









1

أبى    اللهُ    إلا    عدلَه    iiووفاءَه
فلا النكر معروف ولا العُرف ضائعُ










أعظم الوفاء، وأجلُّه وأوفاه: الوفاء لخالقك ومولاك؛ بالقيام بحق شكره، والوفاء بعهده وميثاقِه الذي أخذه على بني آدم يومَ خَلْقِهم الأول، وهو الالتزام بالفطرة التي خلقَك عليها؛ فطرة القيام بعبوديته وتوحيده، وعدم التفرُّق عن سبيله إلى سبل الغَواية والانحراف؛ "فمن لم يمسك نفسه على عهده مع الله، مستقيمًا على طريقته، مسترشدًا بهُداه، فلا بد أن تتفرَّق به السبلُ، ولا بد أن ينحرِفَ، ولا بد أن يفسُقَ" نسأل الله لك السلامة والثبات.
 
فكن وفيًّا لخالقك الذي منحَك جسدًا وعقلاً وقلبًا؛ فلا تهملها وتضيع هذه الأمانة العظيمة، بل حافِظْ عليها وصُنْها من كل ما يُتلِفُها من مخدِّر أو مُسْكِر، أو هوس فكر، أو غلوِّ تصرف، أو سلوك متطرف؛ حتى تلقاه يوم العرض وأنت سالم من كل تهمة، أو مذمَّة، أو منقصة تُحيُل وقوفَك بين يديه سبحانه حسرات وآهات وندامات لا تنفعك شيئًا!
 
إنه الوفاء بالعهد مع الله.
 
وبغير هذه السمة يعيش كل فرد مفزعًا قلقًا، لا يَركَنُ إلى وعدٍ، ولا يطمئن إلى عهدٍ، ولا يَثِقُ بإنسان، ولقد بلغ الإسلام من الوفاء بالعهد لأصدقائه وخصومه على السواء قمةً لم تصعد إليها البشرية في تاريخها كله، ولم تصل إليها إلا على حداء الإسلام وهدي الإسلام.
 
وفاؤك لربك ومولاك، يلزمه وفاءٌ واتباع لرسوله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهو المبلِّغ عن الرب سبحانه، وهو المبشر والنذير، والهادي والسراج المنير، زعيم الأخلاق الحسنة، وقائد القادة نحو الترقي والسمو، والنهضة والبناء، ومن بيده مفاتيح دار الخلود وحوضه المورد لتشربَ من يديه شربةً هنيئةً لا تظمأ بعدها أبدًا، في يوم أحوج ما تكون لتلك الشربة العظيمة.
 
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [البقرة: 83] وفاءً وبرًّا، فالمؤثر في وجودك حقيقة هو الله عز وجل، أما ظاهريًّا فهما الأبوان؛ فكن وفيًّا بارًّا بهما، مع اللُّطفِ ولين الجانب؛ فلا تغلظ لهما في الجواب، ولا تُحِد النظر إليهما، ولا ترفع صوتك عليهما، بل كن بين يديهما مثل العبد بين يدي سيده تذلُّلاً لهما، هكذا فسَّره ابن عباس رضي الله عنهما.
 
شيخك ومعلمك ومربيك الذي أخلص ونصح في تربيتك وتوجيهك وإرشادك، وبذل من وقته وجهده وعقله وتجاربه؛ حتى ترقى وتصعد على سلم المجد والنجاح، فمن صور الوفاء للعالم المعلم: ذكره وتمجيده في المحافل، مواصلته وزيارته وتقبيل رأسه إذا رأيته بين الناس حتى لو وصلت إلى مستوى أعلى منه سواء بدرجة أكاديمية أو بشهرة وأمثال ذلك، ومن لم يكن له خير مع معلميه، فلا خير له مع غيرهم.
 
وفاؤك لوطنك الذي وُلدتَ فيه وانتميتَ له منذ أن أبصرت عيناك الدنيا، ولعبت بترابه في طفولتك، ووطئت قدماك أرضه، وخالطت مشاعره بكل أحواله فرحًا وحزنًا، وعزًّا وذلاًّ، وسموًّا وانخفاضًا، عايشت معه كل اللحظات، وحفرت في ذاكرتك جل الذكريات جمالها وحسنها وسيئها، إنه الوطن مهما تكالبت على قلبك همومُه، وزادت منه عليك غمومُه، يظل وطنك الذي ترتاح معه وتهفو إليه:
كن وفيًّا لحبيبك، أو صديقك؛ بادِلْه الوفاء بالوفاء، والحبَّ بالحب، والودَّ بالود، بغير تكلف ولا تضجر، بل مزية وطبيعة، وسامِحْ واعفُ وتغاضَ عن كل ما يسوءك منه، وكن معه متلطِّفًا متحببًا ناصحًا مشفقًا، وتجمَّل بكل صفات الصديق الصدوق، وابتعِد عن خُلق الخيانة واللؤم.
 
وفاءً منك لكل من أسدَى إليك معروفًا، وقام بواجب الضيافة والنجدة، ووضع بين ناظريك مَشاهدَ الشجاعة والنجدة، ورسم لك لوحات من العطاء والبذل، وصفاء السريرة وحسن العشرة، ودماثة الخلق، وإياك وإنكارَ ذلك كلِّه بجحود أو تناسٍ أو عداوة طارئة.
 
أيها الشابُّ الحبيب، تعلَّم الوفاء من قدوات صفَتْ حياتُها، واستقامت سيرتها، وكانت رمزًا للوفاء، ومثالاً للخير والعطاء، فبهم تستقيم حياتُك، وترتقي بإذن الله إلى مدارج السمو والكمال، والله يحفظك ويرعاك.

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٢