أرشيف المقالات

أجمل حب

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2أجمل حب
 
من أجمل ما في الحياة الشعور بالحب، فهو شعور جميل يحتاج إليه المحبُّ أكثر من المحبوب، يسيطر على قلبك وعقلك وجوارحك، يبعث في نفسك الأُنْسَ والأملَ والارتياحَ؛ لكن استمرار هذا الشعور الجميل يعتمد على أن يُبادِلَك المحبوبُ نفسَ الشعور، أمَّا إذا وقع من طرف دون الآخر انقلب إلى شعور مؤلم يتجرَّع مرارتَه المُحِبُّ.
 
فتجد أن هذا الشعور لا يستقرُّ على حال في مراحل حياة الإنسان إما أنه يضعف أو يُنسى أو يتلاشى تمامًا، فهو حُبٌّ فطري فطر الله عليه البشر؛ لكن هذا النوع من الحب يعتريه ما يعتريه من عوامل التعرية الدنيوية؛ من بُعْدٍ وفِراقٍ وفتورٍ ومَلَلٍ وعدم القدرة والحيلولة بين المتحابَّيْنِ وغير ذلك، وهذا حال الدنيا.
 
فقد خُلِقنا وفي قلوبنا طاقة من الحب لا يستحقُّها – على الحقيقة - إلَّا مَن أوجدها فينا، فحبُّه ليس كأيِّ حُبٍّ، فمن رحمته بيك أنه يفرح بحبِّك له، وكلما أحببته زاد لك حُبًّا، فهو لا يمَلُّ مِن حبِّك كما هو حال البشر؛ بل يضاعف لك هذا الحب ويُجازيك عليه الجزاء الحسن.
 
فهو حُبٌّ سماوي مُقدَّسٌ تنال الأجر عليه، وتجد أثره الجميل عليك والمثمر في الدنيا قبل الآخرة، فهل عرَفتَ مَن يستحق هذا الحب أيها الحبيب؟ إنه (الله) جل في علاه، فلا تجعل في قلبك حُبًّا لسواه، ومَنْ حبَّ شيئًا سوى الله عُذِّب به ولا بُدَّ.
 
ومن أعرض عن محبته وذكره، ابتلاه بمحبة غيره، والله المستعان، فمَنْ لم يكن إلهه مالِكه ومولاه كان إلهه هواه؛ قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: 23].
 
وحبُّ الله يزيد بالإيمان ويقودُنا إلى الجنان، فمحبَّتُه جَلَّ في عُلاه هي الغاية القصوى من المقامات والذروة العليا من الدرجات، وهي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وعليها تفانى المحبُّون شوقًا وحبًّا للقاء الله، فلا حياة للقلوب ولا غذاء للأرواح إلا بمحبَّتِه والقُرْب منه؛ لذلك تجد أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبةُ مَن جُبِلت القلوبُ على محبَّتِه، وفُطِرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرضُ والسمواتُ، وعليها فُطِرت المخلوقات، وهي سِرُّ شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألَّه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل له والخضوع والتعبُّد، والعبادة لا تصحُّ إلا له وحده، والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، وبهذا يكون أطيب العيش واللذة على الإطلاق عيش الموحِّدين العابدين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ [النحل: 97]، وقد ضمن الله سبحانه لكلِّ مَن عمل صالحًا أن يُحييَه حياةً طيبةً فهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده، وأيُّ حياة أطيبُ مِن حياة مَن اجتمعت همومه كلها وصارت هي واحدة في مرضاة الله ولم يتشعَّب قلبه؛ بل أقبل على الله جَلَّ في عُلاه بكليَّته؟! فإذا أحبَّك الله فلا تَسَلْ عن الخير الذي سيُصيبك والفضل الذي سينالك، فيكفي أن تعلم بأنك "حبيب الله"، فمن الثمرات العظيمة لمحبة الله لعبده ما يلي:
أولًا: حبُّ الناسِ له والقَبول في الأرض، كما في الحديث القدسي: ((إذا أحَبَّ اللهُ العبدَ نادى جبريل: إن الله يحب فلانًا فأحببه فيحبه جبريل، فيُنادي جبريل في أهل السماء: إن الله يحبُّ فلانًا فأحبوه فيحبه أهلُ السماء، ثم يُوضَع له القَبول في الأرض))؛ رواه البخاري.
 
ثانيًا: ما ذكره الله سبحانه في الحديث القدسي من فضائل عظيمة تلحق أحبابه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))؛ رواه البخاري.
 
فحصر أسباب محبَّته فى أمرين أداء فرائضه والتقرُّب إليه بالنوافل، وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحبُّ مما تقرَّب إليه المتقرِّبون، ثم بعدها النوافل، وأن المحب لا يزال يُكثِر من النوافل حتى يصير محبوبًا لله، فإذا صار محبوبًا لله وقعت محبةُ الله له، وهكذا أصبح ذكر محبوبه الأعلى وحبه والشوق إلى لقائه والأُنْس بقربه وهو المستولي عليه، وعليه تدور همومه وإرادته وتصوره بخطرات قلبه، فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن أبصر فبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرَّك، وبه يسكن، وبه يحيى، وبه يموت، وبه يبعث، فما أجمل عيش المشتاقين المستأنسين بالله، ولو يعلم المدبرون عنه كيف انتظاره لهم ورحمته إياهم وشوقه إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم شوقًا إليه، هذه إرادته في المُدْبرين عنه, فكيف بالمُقْبلين عليه؟!






وإنِّي لأرجو اللهَ حتَّى كأنَّني
أرى بجميلِ الظَّنِّ ما اللهُ صانِع











وفي الحديثِ عن الصادقِ المصدوقِ صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحبَّ لقاءَ اللهِ أحَبَّ اللهُ لقاءه)).
 
فتأمَّل وتفكَّر في إحسان الله جل جلاله إليك منذ كنت في بطن أمِّك وأنت في أضعف حالاتك حفظك وأطعمك، وأنت في ظلمات ثلاث، ثم خرجتَ لدنيا لا تعلم شيئًا فهيَّأ لك أُمًّا رحيمةً أرضعتك من ثَدْيِها، وحملت عنك الأذى، وصيَّرت حِجْرها لك مهدًا؛ فأنت لولا فضل الله عليك ولطفه ورحمته لكنتَ كريشةٍ مُلقاة في أرض فلاة تُقلِّبها الرياحُ يمينًا وشمالًا.
 
فكم هي نِعَم الله عليك تتقلَّب فيها بالليل والنهار، فنِعَمُ الله عليك عظيمةٌ، وأفضاله جسيمة، قد توالتْ عليك نِعَمُه حتى لو أفنيتَ عُمُرَك في إحصائها لنفد العمر قبل أن تحصيها، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]، ومع هذا الإحسان العظيم من ربٍّ كريم كيف لا يُحِبُّ العبد بكل قلبه وجوارحه مَن يُحسِن إليه على الدوام بعَدَد الأنفاس مع إساءته له.
 
قال ابن القيم: "وَكَيْفَ لَا تُحِبُّ الْقُلُوبُ مَنْ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يَذْهَبُ بِالسَّيِّئَاتِ إِلَّا هُوَ، وَلَا يُجِيبُ الدَّعَوَاتِ، وَيُقِيلُ الْعَثَرَاتِ، وَيَغْفِرُ الْخَطِيئَاتِ، وَيَسْتُرُ الْعَوْرَاتِ، وَيَكْشِفُ الْكُرُبَاتِ، وَيُغِيثُ اللَّهَفَاتِ، وَيُنِيلُ الطَّلَبَاتِ سِوَاهُ؟! فَهُوَ أَحَقُّ مَنْ ذُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ شُكِرَ، وَأَحَقُّ مَنْ عُبِدَ، وَأَحَقُّ مَنْ حُمِدَ، وَأَنْصَرُ مَنِ ابْتُغِيَ، وَأَرْأَفُ مَنْ مَلَكَ، وَأَجْوَدُ مَنْ سُئِلَ، وَأَوْسَعُ مَنْ أَعْطَى، وَأَرْحَمُ مَنْ اسْتُرْحِمَ، وَأَكْرَمُ مَنْ قُصِدَ، وَأَعَزُّ مَنِ الْتُجِئَ إِلَيْهِ، وَأَكْفَى مَنْ تُوُكِّلَ عَلَيْهِ، أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنَ الْوَالِدَةِ بِوَلَدِهَا، وَأَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ التَّائِبِ مِنَ الْفَاقِدِ لِرَاحِلَتِهِ الَّتِي عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فِي الْأَرْضِ الْمُهْلِكَةِ إِذَا يَئِسَ مِنَ الْحَيَاةِ ثُمَّ وَجَدَهَا.
 
وَهُوَ الْمَلِكُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْفَرْدُ فَلَا نِدَّ لَهُ، كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَنْ يُطَاعَ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَنْ يُعْصَى إِلَّا بِعِلْمِهِ، يُطَاعُ فَيَشْكُرُ، وَبِتَوْفِيقِهِ وَنِعْمَتِهِ أُطِيعَ، وَيُعْصَى فَيَغْفِرُ وَيَعْفُو، وَحَقُّهُ أُضِيعَ، فَهُوَ أَقْرَبُ شَهِيدٍ، وَأَجَلُّ حَفِيظٍ، وَأَوْفَى بِالْعَهْدِ، وَأَعْدَلُ قَائِمٍ بِالْقِسْطِ، حَالَ دُونَ النُّفُوسِ، وَأَخَذَ بِالنَّوَاصِي وَكَتَبَ الْآثَارَ، وَنَسَخَ الْآجَالَ، فَالْقُلُوبُ لَهُ مُفْضِيَةٌ، وَالسِّرُّ عِنْدَهُ عَلَانِيَةٌ، وَالْغَيْبُ لَدَيْهِ مَكْشُوفٌ، وَكُلُّ أَحَدٍ إِلَيْهِ مَلْهُوفٌ، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِنُورِ وَجْهِهِ، وَعَجَزَتِ الْقُلُوبُ عَنْ إِدْرَاكِ كُنْهِهِ، وَدَلَّتِ الْفِطَرُ وَالْأَدِلَّةُ كُلُّهَا عَلَى امْتِنَاعِ مِثْلِهِ وَشِبْهِهِ، أَشْرَقَتْ لِنُورِ وَجْهِهِ الظُّلُمَاتُ، وَاسْتَنَارَتْ لَهُ الْأَرْضُ وَالسَّمَاوَاتُ، وَصَلُحَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، وَلَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".
 
ومن رحمته بك أرسل لك رسوله يدعوك إلى دار كرامته فعصيت الرسول، ومع هذا لم يجعلك تيأس من رحمته؛ بل قال: متى جئتني قَبِلتُك، إن أتيتني نهارًا قَبِلتُك، وإنْ أتيتني ليلًا قَبِلتُك، وإن تقرَّبْتَ مني شبرًا، تقربْتُ منكَ ذِراعًا، وإن تقرَّبْتَ منِّي ذراعًا، تقرَّبْتُ منك باعًا، وإن مشيتَ إليَّ، هرولتُ إليك، ولو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تُشرِك بي شيئًا، أتيتُك بقرابها مغفرة، ولو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني غفرتُ لك، ومن أعظم مني جودًا وكرمًا؟ عبادي يُبارزوني بالعظائم، وأنا أحرسهم على فرشهم، إني والجن والإنس في نبإ عظيم: أخلق ويُعبَد غيري، وأرزق ويُشكَر سواي، خيري إلى العباد نازلٌ، وشرُّهم إليَّ صاعد، أتحبَّب إليهم بنعمي، وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إليَّ بالمعاصي، وهم أفقرُ شيء إليَّ، من أقبل إليَّ تلقيته من بعيد، ومَنْ أعرض عني ناديتُه من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن أراد رضاي أردت ما يريد، ومن تصرَّف بحولي وقوتي ألنت له الحديد.
 
أبعدَ هذا كله لا تحبُّه وتشتاق إليه وأنت تسمع داعيه ثم تتأخَّر عن الإجابة؟! وأنت تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره! وأنت تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له! وأنت تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنْس بطاعته! وأعجب من هذا علمك أنك لا بُدَّ لك منه وأنك أحوج شيء إليه، وأنت عنه مُعرِض وفيما يُبْعِدُك عنه راغب.






تَعْصِي الإِلهَ وَأنْتَ تُظْهِرُ حُبَّهُ
هذا محالٌ في القياس شنيعُ


لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأَطَعْتَهُ
إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطيعُ






 
وصلى الله وسلَّم على رسول الله.

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير