أرشيف المقالات

كلمة عن علو الهمة

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2كلمة عن علو الهمة
 
الحمد لله الذي منَّ علينا بالإيمان والإسلام..
وتفضل علينا ببيان الشرائع والأحكام، ووعد من أطاعه واتبع رضاه الثواب في دار السلام، وأوعد من عصاه بالعقاب في دار الهوان والانتقام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العلام.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه السادة الأعلام.
 
إن من سجايا الإسلام التحلي بكبر الهمة.
وكبر الهمة يجلب -بإذن الله- خيرًا غير مجذوذ، ويُجري في عروقك دم الشهامة والركض في ميدان العلم والعمل، فلا تُرى واقفًا إلا على أبواب الفضائل، ولا باسطًا يديك إلا لمهمات الأمور، ((إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها)).
إن التحلي بكبر الهمة يسلب منك سفاسف الآمال والأعمال، ويجتث منك شجرة الذل والهوان والتملق والمداهنة.
 
فارسم لنفسك كبر الهمة، ولا تنفلت منها، وقد أومأ الشرع في فقهيات تلابس حياتك لتكون دائمًا على يقظة من اغتنامها ومنها: إباحة التيمم للمكلف عند فقد الماء، وعدم إلزامه بقبول هبة ثمن الماء للوضوء، لما في ذلك من المنة التي تنال من الهمة منالًا)[1].
 
إن المرأة الصالحة ذات الهمة العالية هي المرأة التي تهتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وتتخذ من النماذج الشامخة لنساء المسلمين في علو همتهن القدوة والمثل، حتى لا تركن إلى الدنيا ومن ثم إلى الكسل والعجز.
لماذا تفتر همم الصالحات إذا فُتحت عليهن الدنيا؟!
لماذا تفتر همم الصالحات بعد الزواج وإنجاب الأولاد؟!
أين الهمم العالية التي لا ترضى بسوى الله تعالى بديلًا؟
 
قال ابن القيم - رحمه الله -: (علو الهمة: أن لا تقف دون الله، ولا تتعوض عنه بشيء سواه، ولا ترضى بغيره بدلًا منه، ولا تبيع حظها من الله، وقربه والأنس به، والفرح والسرر والابتهاج به، بشيء من الحظوظ الخسيسة الفانية، فالهمة العالية على الهمم: كالطائر العالي على الطيور، لا يرضى بمساقطهم، ولا تصل إليه الآفات التي تصل إليهم، فإن ((الهمة)) كلما علت بعدت عن وصول الآفات إليها وكلما نزلت قصدتها الآفات من كل مكان، فإن الآفات قواطع وجواذب، وهي لا تعلو إلى المكان العالي فتجتذب منه، وإنما تجتذب من المكان السافل، فعلو همة المرء، عنوان فلاحه، وسفول همته: عنوان حرمانه)[2].
 
الحث على علو الهمة:
جاءت الآيات من كتاب الله تعالى والأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحث على شحذ الهمم، وارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات فمن ذلك.
أولًا: في الكتاب الكريم:
قال تعالى: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ [الحديد: 31].
وقال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].
وقال سبحانه: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾.
وقال أيضًا: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾.
وقال: ﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾.
ففي هذه الآيات وغيرها في كتاب الله عز وجل تحريض للمؤمنين كي يتنافسوا في أمور الآخرة، فيسارعوا إلى كل ما من شأنه طاعة ورضى لله عز وجل، فيستغفرون الله تعالى، ويسارعون إلى كل سبيل موصل إلى الجنة.
 
إن المسلمة ذات الهمة العالية لا ترضى بالدون من الأقوال أو الأعمال، ولا يرضيها إلا معالي الأمور.
قال ابن الجوزي - رحمه الله -: ((من أعمل فكره الصافي، دله على طلب أشرف المقامات، ونهاه عن الرضى بالنقص في كل حال، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ♦♦♦ كنقص القادرين على التمام
فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه)[3].
 
ثانيًا: في السنة الشريفة:
لقد غرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفوس أصحابه علو الهمة وحثهم على التسابق إلى المعالي، فكان دافعًا لهم بالأخذ بكل ما يوصلهم ويحقق لهم هذه المكانة العالية الرفيعة.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز))[4]، وكذلك: ((إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل))[5].
وكذلك: ((إن الله تعالى معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفاسفها))[6].
وعن العرباض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا سألتم الله تعالى فاسألوه الفردوس، فإنه سرُّ الجنة))[7].
 
ثالثًا: من أقوال السلف:
قال ابن رجب - رحمه الله - في كتابه ((لطائف المعارف)):
((لما سمع القوم قول الله عز وجل: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾ وقوله: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ [الحديد: 21] فهموا أن المراد من ذلك أن يجتهد كل واحد منهم أن يكون هو السابق لغيره إلى هذه الكرامة والمسارع إلى بلوغ هذه الدرجة العالية، فكان أحدهم إذا رأى من يعمل عملًا يعجز عنه خشي أن يكون صاحب ذلك العمل هو السابق له فيحزن لفوات سبقه، فكان تنافسهم في درجات الآخرة واستباقهم إليها، ثم جاء من بعدهم قوم، فعكسوا الأمر، فصار تنافسهم في الدنيا الدنيئة، وحظوظها الفانية)).
وقال الحسن: إذا رأيت الرجل ينافسك في الدنيا فنافسه في الآخرة.
وقال رحمه الله أيضًا: من نافسك في دينك فنافسه، ومن نفسك في دنياك فألقها في نحره.
وقال وهيب بن الورد: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحدٌ فافعل.



[1] ((حلية الطلب العلم)) للشيخ بكر عبد الله أبو زيد (135) بتصرف.


[2] مدارج السالكين (3/ 171- 172).


[3] صيد الخاطر (ص189).


[4] رواه مسلم.


[5] رواه أحمد والبخاري في ((الأدب المفرد)) وصححه الألباني رقم (388).


[6] رواه الطبراني وصححه الألباني في ((صحيح الجامع)) برقم (1890) - معالي الأمور وأشرافها في ((صحيح الأدب المفرد)).


[7] رواه الطبراني وصححه الألباني في ((صحيح الجامع) برقم (592).
وسر الجنة: أي أفضل موضع فيها.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢