أرشيف المقالات

قصة يوم الوشاح

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
2قصة يوم الوشاح

أتدري ما يومُ الوشاح؟
إنه يوم حدثت فيه حادثةٌ غريبةٌ عجيبة، كانت تلك الحادثةُ سببًا في إنقاذ نفس بشرية من العذاب السرمدي، والشقاء الأبدي الذي ينتظر الكافرين يوم القيامة، ولكي لا يظنَّ أولئك الكفار ومن لفَّ لفهم، ومضى ينسج على منوالهم، ويرفع عَقِيرته بمدحهم وإطرائهم - أقول: لكي لا يظنوا أنه بعيد عنهم، أو أنهم هم بعيدون عنه؛ فقد توعدهم الملك الحقُّ سبحانه، فأخبرهم في كتابه المبين أنه قريب؛ فقال - سبحانه -: ﴿ إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا ﴾ [النبأ: 40]، فما أحرى أولئك الذين يحاربون الله بالكفر والعصيان، ومعصية الرسول - أن يتأملوا هذه القصةَ الدالةَ على عظمة الله - جل وعلا - واطِّلاعِه - سبحانه - على شؤون عباده أينما كانوا، ونصرتِه المظلومين المضطرين منهم - وإن كانوا كفارًا - أجْلَ أن يعتبروا، فيؤوبوا إلى بارئهم بالتوبة النصوح، فيُنقذوا أنفسهم من النار التي وقودُها الناس والحجارة!


وما أحوجَ الناسَ جميعًا اليوم وقد شُرِّدُوا أو شَرَدُوا عن ربهم، وصدُّوا عنه - سبحانه وتعالى - أن يرجعوا إليه؛ ليعرفوه بأسمائه وصفاته، وآياته القرآنية والكونية الدالة على وحدانيته وعظمته وجلاله!

نعم، إن لكلِّ واحدٍ منا وواحدةٍ - لو كنا من المتبصِّرين المدَّكِرين - يومَ وشاحٍ خاصًّا به، بل - والله - أيامًا وأيامًا كثارًا.

ولكنَّ أكثرنا - لنِعَم الله علينا - من الناسين الجاحدين!

أفلم يأنِ لنا - هدانا الله - أن نصحوَ من سُباتنا العميق، ونُفيقَ من غفلتنا الضاربةِ أطنابها على أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا؟!

أفلم يَحِنِ الحينُ الذي نفتح فيه أبصارَنا على الحقيقة التي تنادينا ليل نهار: أنْ تَفكَّروا فيما ترَون من آيات الله وما تسمعون؟!

وتلكم القصة التي نحن ماضون للوقوف على أحداثها، هي آية من آيات الله في خلقه، فيها لذوي الألباب والحِجا العاملين بقوله - تعالى -: ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 176] - عبرةٌ وعظة.

وفيها - لطوائفَ لا تحصى من النسوة اللاتي اجتالتهُنَّ شياطينُ الجن والإنس عن فطرتهن التي فطرهُنَّ الله عليها - مواعظُ شافية، ودروسٌ بليغة، ولا سيما أولئك اللائي كانَ لهن حظٌّ من التعليم.

إن الناظر البصير فيما تفيض به وسائل الإعلام والإيهام، المسموعة منها والمرئية، وكذا المقروءةُ الخبيثةُ الموجَّهةُ المُسَدِّدَةُ سهامَها المسمومةَ لقلوب المسلمين المساكين - لَيرَى - بجلاءٍ ووضوح - فصولَ مؤامرة خطيرة على القلوب والعقول والأخلاق، زُيِّنَتْ بأقنعة زاهية، ووجوه فاتنة، وكلمات معسولة، انساقَ - أو سيق - وراء بريقها اللامعِ، وبرقها الكاذب، قطعانٌ من المخدوعين الغافلين الذين ضلوا الطريق: ﴿ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ [النمل: 24].

أقول هذا بين يدي أحداث هذه القصة؛ لأن نفرًا ممن طُمِستْ أبصارهم لا يفتؤون يؤذِّنون في الناس من الدَّهماء: أنْ ليس عندنا ما يُشبع عقول أبنائنا وبناتنا من العلم والثقافة والتراث، فتراهم يتهافتون - كالذباب - على ثقافة الغرب والشرق وأفكارهما، لا يميزون بين غثٍّ وسمين، ومُنْتن وطيب، بل إنهم - خطأ أو عمدًا - يتيمَّمون الخبيث؛ لينقلوه لنا؛ ليقضوا به على ما في قلوب الناشئة من بقيةِ خيرٍ باقية؛ ليجعلوهم - بهذا - في المقبلات من الأيام - أعداءً ألِدَّاءَ لأنفسهم، وبني جِلدتهم من أبناء ملَّتِهم.
 
وإلا، فأخبرني - عفا الله عنك -: من الذي صنع هذا السيل الجارف من المجرمين والمنحرفين؛ ممن أوغلوا في هتك أعراض المسلمين، وسلبِ أموالهم، وإحراق قلوب أمهاتهم وآبائهم، وتبديد طاقاتهم، وتدمير أركانهم، وقطع العلاقة بينهم وبين كل فضيلة وخَلَّة رشيدة؟!
 
وحتى نضع الأمور في موازينها؛ فإن هؤلاء الذين اتُّبِعُوا ليسوا - وحدَهم - المسؤولين عما آل إليه أمرُنا - وإن كانوا هم الذين تولَّوا كِبْره، واحتملوا وِزْره - فالذين أطاعوهم، واتبعوا سبيلهم - قولاً وعملاً - هم - كذلك - مشاركون لهم في الوِزْر.
 
وهم - إذ يفعلون ما يفعلون؛ من تغريب الأمة، ومسخ هُويتها - يعلمون أن في دينها كتابًا وسنَّة، وما خلَّفه لها أئمتها الشامخون، وأعلامُها المهتدون الراسخون - ما يغنيها عن نفاية عقول دعاة الضلال، وأئمة الفساد، ورؤوس الانحلال.
 
ومن ذلك هذه القصة بدلالاتها العميقة، وإيحاءاتها الدقيقة، وما تهتف به للقلوب التي تهفو إلى الهداية والرشاد، والانخلاع من رِبقة الانقياد والاستسلام إلى كل ناعق أفَّاك.
 
إن في القلوب - والله - لظمأً لا إلى الأفلام والمسلسلات، والأغنيات الماجنات، والمباريات الفارغات التافهات، وغيرها من الملهيات القاتلات، ولكن إلى كلام رب الأرض والسموات، وأحاديث رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام، وأقوال السلف الصالحين الصادقين، وقصص الغابرين المبصِرين المهتدين.
 
فيا أيها الشبابُ والشاباتُ، السادرون في غيِّهم، الماضون في سبل هلاكهم، القاتلون أنفسَهم بأنفسِهم، المعطِّلون عقولهم، الطاعنون قلوبَهم بحرابِ الشهوات المسمومة، وخناجر اللذة المحرمة المستعرة المحمومة، الظانُّون - جهلاً وغفلة - الحياةَ الموهوبةَ لكم ساعةً تقضونها في تكليم فتاة، أو تدخين سيجارة، أو تعاطي محرَّم، أو متعة تنالونها من عِرْض أخٍ مسلم لكم، أو تبرج وسفور وعُرْي فاضح تُرضين به عدوَّ الله وعدوَّكن:
على رِسْلكم!

إنما الحياة فرصة لا تتكرر؛ فاهتَبِلوها، وإياكم أن تضيعَ من بين أيديكم أيامُها، وتأمَّلوا قصة يوم الوشاح، وتعلَّموا كيف تُفهَم أحداث الحياة، وأنْ لا بد فيها من يقظة واعتبار، وأَجِيلوا ثاقب طرْف البصيرة في قول ﴿ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ﴾: ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أو أَرَادَ شُكُورًا ﴾ [الفرقان: 62].

والليلُ والنهارُ فيهما من الأحداث، ما يفتح الآذان الصُّمَّ، والقلوب العُمْيَ على الحقيقة؛ حقيقةِ وظيفة العبد والمراد منه في حياته الدنيا، وهذا ما سنراه واضحًا جليًّا، وضَّاءً بهيًّا، في وقائعِ قصة يوم الوشاح!
 
وقبل أن ندلف إلى باحة هذه القصة، لِنُعَرِّفْ - بادئ ذي بدء - الوشاحَ، فما هو الوشاح؟
إنه قطعة من القماش المزيَّن، تلبَسُه المرأة بين عاتقها وكَشْحها، وهو يشبه ما يتوشح به القضاةُ في زماننا من قطعة قماش حمراء.
والعاتق: ما بين المنكب والعُنق، وهو ما يسميه العوام: الكتِف.
والكَشْح: ما بين الخاصرة والضُّلوع[1].
 
إنها قصةُ جارية سوداء لبعض العرب في الجاهلية، لم تدخل مدرسة ثانوية، ولم تطأْ قدماها يومًا عتبةَ جامعةٍ (جامعةٍ) متبرجةً سافرةً غاويةً مَغْوِيةً، ولم تنعق أغربةُ تحرير المرأة، وأبوامُها مطالبةً يومًا بتحريرها، وفك قيودها، كما هو حال أخواتها المسلمات المعاصرات اللواتي ملأ الغرب الدنيا زعيقًا ونباحًا مطالبين بتحرُّرهن، ورفع الظلم - زعموا - عنهن، وإخراجهن من بيوتهن التي سمَّوها - زورًا وبهتانًا، واستدراجًا للغافلين والغافلات -: سجونًا وكهوفًا مظلمة!
 
وصدَّقَ الرجالُ - قبل النساء - هذه الكذبةَ الصَّلعاءَ الشنعاءَ!
 
فألقَوا للنساء الحبلَ على الغارب، وفتحوا أبوابَ السجون الموهومة، فانفلتت النساءُ من البيوت - هائماتٍ على وجوههن على غير هدًى - يبحثْنَ عن حريتهن التي أُقْنِعْنَ بأنهن سُلِبْنَها!
 
أفَتُرَاهنَّ - من بعد سنينَ طوالٍ من البحث عنها - وجدْنَها؟!
 
أم أنهن لم يكتشفْن - بعدُ - المؤامرةَ الخسيسة الحاقدة، والدسيسة الغادرة الخبيثة؟!
 
ولو أنههن - عفا الله عنهنَّ - أمعنَّ النظرَ - هن وأولياءُ أمورهن - في سِيَرِ مَن سلف من أخواتهن - كصاحبة القصة هذه - لكان - لهن ولهم - في ذلك معتبرٌ ومُدَّكرٌ!
 
نعم، إنها كانت كافرة فأسلمت!
 
وما أكثر الكفارَ في زماننا!
 
وما أكثر العصاة من المسلمين الذين يظنون أنهم - لمجرد كونهم وُلِدُوا مسلمين - مُؤَمَّنُونَ من العذابِ الأليم!
 






يا ناظرًا يرنو بعينَيْ راقدِ
ومُشاهِدًا للأمر غيرَ مُشاهِدِ


تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وتَرتَجِي
درَكَ الجنانِ، ونيلَ فوزِ العابدِ


أنسيتَ أنَّ الله أخرَجَ آدَمًا
منها إلى الدنيا بذنبٍ واحدِ







فيا ترى: ما هو سببُ إسلامها؟
وما هي علةُ يقظة فؤادها، وتحرُّرِ رُوحها، وانبعاثها من مرقد الكفر والوثنية، إلى رحاب التوحيد والإيمان بربِّ البرية؟
 
إنه سبب عجيب، جدير بالوقوف عنده، والتأملِ فيه، في زمن أُلْغِيتْ فيه العقول، وأُقفلت القلوب إلا عما تهواه وتحبه، وهو مُودٍ بها - إن لم تُفِقْ من غفلتها - إلى نهاياتٍ مهلكة.
 
كانت - تلكم الجاريةُ السوداء - بعد إسلامها - تبيتُ في المسجد، وكان لها فيه حِفْشٌ[2]، وكانت تزور أمَّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - تحدث عندها، وكلما فرغت من حديثها - في كل مجلس - كانت تتمثل ببيت من الشعر، تختم به كلامها فتقول:






وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِي






 
فلما أكثرت من ذِكر هذا البيت، سألتْها أمُّنا عائشةُ - رضي الله عنها -: وما يوم الوشاحِ؟!

فشرعتْ تخبر عائشةَ - رضي الله عنها - عما كان من أحداثٍ في ذلك اليوم العظيم من أيام حياتِها!
 
وكيف استطاعت أن تفهم - من خلال تلك الوقائع - الرسالةَ التي أُريدَ لها ومنها أن تفهمها، وتدرك أبعادها، ومراميَها، وأن يكونَ لها - من ثَمَّ - الأثرُ البيِّنُ الإيجابيُّ على حياتها، لا فيما بقِي من حياتها الفانية في دارها الأُولى فحسب؛ بل وفي حياتها الباقية في دارها الآجلة.
 
إن ما يحدث معنا من أحداث يومية ما هو إلا رسائل ينبغي علينا النظرُ فيها، وفهمُها، واستخلاص العِبْرة منها، وإيقاعُها على واقعنا؛ لتقييمِه وتقويمه والانتقال به إلى ما يريده الذي أراد لنا إرادةً كونية تلك الأحداثَ وقدَّرها علينا!
 
ولكن مع الأسف الشديد، فإن أكثرَ الناس تمرُّ بهم الأحداث، وهم كما يقول المثل العامي: "كالأطروش في الزُّفَّةُ" لا يرَوْن فيها إلا ظواهرَها، وقد غُيِّبَتْ عنهم - بسببٍ منهم - مقاصدُها وغاياتُها.
 
قالت تروي قصتها: إن صبيَّةً من بعض أهلها خرجت ذات يوم وعليها وشاح أحمر، فوضعتْه أو سقط منها، فمرت حدياة[3]، وهو ملقًى، فرأتْه، فحسبته لحمًا، فانحطت عليه، فخطفته، وطارت به.
 
فأخذ أهل الصَّبِية يبحثون عنه، فلم يجدوه.
 
فما كان منهم - ورُبَّ ضارةٍ نافعةٌ - إلا أن اتهموا تلك الجارية بأنها سرقته من الصبية، وشرعوا في تعذيبها، وتهديدها، حتى وصل بهم الحال إلى أمر - بالنسبة إليها جللٌ عظيم - وإنْ كان - عفا الله عنا - بالنسبة إلى غيرها - ممن تبخر ماءُ الحياء من وجوههن - سهلاً يسيرًا!
 
أتدرون ما ذلك الأمر؟
أرادوا أن يكشفوا عن عورتِها؛ ليبحثوا عن الوشاح!
كربٌ عظيمٌ، ونازلةٌ جسيمةٌ!
فأين المفرُّ؟
ولمن المشتَكى؟
وكيف السبيل إلى الخلاص؟
ولكن!
 
إياكَ - أُخيَّ - وإياك - أُخيَّةُ - أن تظن أنك إذا أحاطت بك الحادثات، وألَمَّت بك النازلات التي لا قِبَلَ لك بدفعها أو رفعها، أو النجاة من شرها - إياك إياك أن تظنَّ أنك في ساحة المعركة وحدَك!
 
أتدري من معك؟
معك الله!






وإذا العنايةُ لاحظتْكَ عيونُها
نَمْ، فالمخاوفُ كلُّهُنَّ أمانُ






 
وتلفتت تلك المسكينةُ بقلبها ذات اليمين وذات الشمال، فلم ترَ إلا ملجأ فردًا، وبابًا واحدًا مفتوحًا لا يغلق أبدًا!






ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتى
ذَرْعًا وعند اللهِ منها المَخرَجُ


ضاقَتْ فلما استحكمتْ حلْقاتُها
فُرِجتْ، وكان يظنُّها لا تُفرجُ






 
وجاء الفرج من حيث لم تحتسب تلكم الصغيرة المظلومة الُمرَادُ - بها ولها بما قُدِّرَ عليها - الخير!
 
وجاء الفرج من حيث يجب على المظلومين أن يطلبوا النصرة، وكشف الغمة بالأسباب المشروعة، لا بالأسباب التي أنتجتها عقول البشر.
 
وأيُّ بشر؟
حثالاتُ البشر!
فما الذي حدث؟
 
تصور الموقف، وعاين المشهد: الجارية الصغيرة المظلومة الخائفة التي يزلزل الرعبُ أركانها، يحيط بها نفرٌ من قساة القلوب، ينتهرونها ويضربونها، ويهددونها بتعريتها من لباسها، وكشف عورتها للبحث عن الوشاح!
 
وبينما هي كذلك، قائمة معهم، في همِّها وكربها، إذ حدثت حادثة، مفاجأة مذهلة، آتية من السماء!
 
جاءت الحدأة، ذلك الطائرُ نفسُه الذي كان قد خطف الوشاح، حتى إذا صار فوق رؤوسهم، ألقاه عليهم، فوقع بينهم!
 
في لحظات منيرات أشرقت شمسُ الفرَج على ليلِ تلك الجارية المسكينة!
فرأت بعين القلب طريقَها!
فمضتْ فيه إلى ربِّها راضية هنية!






إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى الْيَأْسِ الْقُلُوبُ
وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ


وَأَوْطَنتِ الْمَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ
وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الْخُطُوبُ


وَلَمْ تَرَ لانْكِشَافِ الضُّرِّ وَجْهًا
وَلاَ أَغْنَى بِحِيلَتِهِ الأَرِيبُ


أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ
يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ الْمُسْتَجِيبُ


وَكُلُّ الْحَادِثَاتِ إِذَا تَنَاهَتْ
فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرِيبُ






 
فقالت: هذا الذي اتَّهمتُمُونِي به - زعمتم - وأنا منه بريئةٌ، وهو ذا هو[4]، فجاءتْ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسلمت.

وصدقتْ إذ تقول في يوم الوشاح؛ يومِ ولادتها الثاني:






وَيَوْمُ الوِشَاحِ مِنْ تَعَاجِيبِ رَبِّنَا
أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي






 
لقد وعتْ هذه الجاريةُ الصغيرةُ الدرسَ وفهِمتْه، وأدركتْ - بعد ذلك - المرادَ منها، فمضت تُنقذُ نفسها، وتزرع بذور سعادتها في أرض الإيمان، وترويها بماء الصِّدق والإخلاص!

فهل تُرانا - ومنا الأساتذة والمهندسون وذوو الشهادات العالية - فهِمنا شيئًا - ولو يسيرًا - مما يمرُّ بنا من دروس وأحداثٍ ووقائعَ؟! أم أننا ما زلنا نبعثر أيام أعمارنا على أرصفة اللعب واللهو، وننفق ما تبقى لنا منها على اجتراح الذنوب، واقتراف المنكرات، وقد أعمانا النظرُ إلى الحرام، وأصمنا سماعُ الحرام، وعطَّل سائرَ أسماعنا انقيادُنا إلى مواطن الشهوات المحيطة بنا من كل الجهات؟!

وهل حدا بنا فهمُنا لها، وإدراكنا لغاياتها - إنْ كنا فهِمنا وأدركنا - إلى العمل على وقاية أنفسنا مما هي مقبلةٌ عليه من أحداث جسام، وأهوالٍ عِظام، تَشيب لها النواصي، وتتصدَّع منها الأكباد؟

رجاؤنا أن يكون هذا، أو شيءٌ منه!



[1] لسان العرب.


[2] الحِفْش: البيت الصغير.


[3] الحدياة أو الحدأة: طائر من الجوارح ينقضُّ على الجِرذان والدواجن والأطعمة ونحوها.


[4] الحديث أخرجه البخاري.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢