أرشيف المقالات

أدرك ما لا يترك

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2أدْرِكْ ما لا يُتْرَك

من طبيعة النفس البشرية والفطرة الإنسانية، السعي الدائم في هذه الحياة، وهذا السعي يختلف من شخصٍ لآخر ويتفاوت، وذلك بحسب الأسباب والمُسببات والغايات، من ذلك السعي ما يُحمَد ومنه ما يُذَمُّ، منه ما يرفَع صاحبَه ومنه ما يَضَعُه، وإلى مثل هذا كانت إشارة الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾ [الليل: 4]، ثم فصَّل في ذلك السعي ونتائجه، فقال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 10]، كما ذكَّرنا بذلك الحديث النبوي الشريف: ((كلُّ الناس يَغدو، فبائعٌ نفسَه، فمُوبقُها أو مُعتقُها))[1].
 
وإذا كان الإنسانُ لا بدَّ له مِن السعْي على كل حال، فلماذا لا يكون سعيُه في مجال النفع والسعد والخير؛ حتى يعودَ عليه بالنفع في الدنيا والآخرة؟! لماذا يأبى بعض الناس إلا أن (يسير إلى حتفِه بظِلفِه)؛ كما يقول المثل العربي؟!

يسعى الإنسان في هذه الحياة إلى أمورٍ كثيرة، منها ما يَفرِضُها عليه دينُه، ومنها ما يفرضُها عليه واقعُه وهكذا، إلا أن هناك أمورًا ومجالاتِ سَعْيٍ لا ينبغي له أن يُغفِلَها أبدًا، أو يتأخَّرَ عن إدراكها؛ إذْ إنها ستفوت عليه من حيث يَشعُر أو لا يَشعُر، وقد لا يُدركها مرةً ثانية، أو تتاح له فرصةُ التعويضِ فيها، ومن هنا كانت الإشارة بالحديث النبوي الشريف عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يَعِظُه: ((اغتنِم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبلَ هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقمِك، وغناك قبلَ فقرِك، وفراغَك قبلَ شُغلك، وحياتَك قبلَ موتِك))[2].
فهذه من الأمور التي ينبغي ألا تُتْركَ؛ لأنها قد لا تُدْركُ، بخلاف الأمور التي إن تركْتَها أدركْتَها، فانظُر:
 
♦ صلاتك في وقتها من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأدرِكْها، ولا تَنشغلْ عنها بغيرها، فليس هناك أهمُّ من الوقوف بين يدي مَن بيده جميع الحوائج، وإن حدَّثتْك نفسُك بغير ذلك من الأهمية والعَجلة، فتذكَّر القول الجميل: (إذا استعجَلتَ في صلاتك، فتذكَّر أن كلَّ ما تريد لحاقَه، وجميع ما تخشى فواتَه، بيد مَن وقفتَ أمامه جلَّ جلاله)، والأحسن من ذلك قوله تعالى منبِّهًا وموجِّهًا ومذكِّرًا: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: 103]، وقوله: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾ [النور: 37]، وقوله: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [الماعون: 4، 5].
 
♦ حُسْن صُحبتك لأبويك، وتفقُّد حاجتهما، من الأمور التي لا تُتْرك، فانْتَبه وأَدرِكْها، وتذكَّرْ أنهما يَكْبران، وبذلك يبتعدان عنك شيئًا فشيئًا نحو الدار الآخرة، فأدْرِكْهما قبل أن تتركَهما؛ ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [الإسراء: 23]، أَدرِكْهما ما دمتَ عندهما قبل أن تأتيَك مشاغلك وأسفارُك، وتتمنَّى أنْ لو بقيتَ معهما فترةً أطولَ، وأُتِيحتْ لك فرصةٌ أفضلُ!
 
♦ صِلَتُك لأرحامك من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأدْرِكْها، وتذكَّر ما ورَد عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرحمُ معلَّقة بالعرش تقول: مَن وصلَني وصلَه الله، ومَن قطَعني قطَعه الله))[3]، وما ورَد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سرَّه أن يُبْسَطَ له في رِزقه، ويُنسَأَ له في أثرِه، فليَصِلْ رَحِمَه))[4]، كم رأينا من أُناسٍ فرَّطوا في ذلك، فلم يُسْعَدوا وندِموا بعد فوات الأوان، ورحيل الأرحام والخِلَّان!
 
♦ حُسْنُ عِشرتك لزوجتك من الأمور التي لا تُتْرك، فانْتَبه وأدْرِكْها، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19][5]، وماذا ينتظر الزوج الذي لا يسير مع زوجته بالعشرة الطيبة؟! وأيُّ وقتٍ ينتظره حتى يضَع العصا عن عاتقه، ويتحلَّى بحُسن السيرة والسلوك، ويعلم أن ذلك يعود عليه هو أولًا بالرِّضا والسعادة؟!
 
♦ حُسْنُ صُحبَتِك وتربيتك لأولادك من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأدْرِكْها، وتذكَّر قولَ الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كلُّكم راعٍ، وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته))[6]، وماذا ينتظر الأب أو الأم الذي يُهمل أولاده، أو مَن تعوَّد في حياته معهم على الكلمة النابية والمعاملة القاسية! حينما يبتعد أولادُك عنك شيئًا فشيئًا نحو الكِبَر، وتراهم غدًا في مصاف الرجال والنساء، وتشعُر حقًّا أنه لم يَعُدْ لك عليهم سلطانُ قولٍ أو فعلٍ، هنالك تَعَضُّ أصابعَ الندم على ما فات منك ولم تُدرِكْه، فانْتَبه.
 
♦ حُسْن جوارِك لجيرانك من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأَدرِكْها، وتذكَّرْ قولَ النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه»[7]، وكم رأينا من أناسٍ وسمِعنا بآخرين لم يُعطوا الجوار حقَّه، فعاشوا بأنانيتِهم في ضيقٍ وجهدٍ، لا هم الذين أراحوا ولا هم الذين استراحوا، حتى رحَلوا أو رحل جيرانُهم إلى غير رَجعةٍ أو جيرةٍ، وبقِي الندم على ما فات، وإطلاق الآهات على عدم الإدراك!
 
♦ تصالُحُك مع خصومك من أقربائك أو إخوانك المسلمين من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأدرِكْها، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهجُرَ أخاه فوق ثلاث يَلتقيان، فيَصُدُّ هذا ويصد هذا، وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام))[8]، فعلامَ تعيش في ضيقٍ من أمرك؟! ولماذا تُجبِر قلبَك على أكْل بعضه؟! وعلامَ الحياة في همٍّ وغَمٍّ ومُماحكات ومؤامرات؟! ولماذا تكلِّف نفسَك شطَطًا؟! هل خلَتِ الحياة من المشاغل المهمة والغايات النبيلة؟! لكمْ رأينا وسمِعنا بأناسٍ عاشوا جُلَّ حياتهم في الخصام والمشاحنة والمحاكِم، فلم يَجنُوا غير المشقَّة والتعب على أنفسهم وأهلهم والآخرين، وكم ندِم الكثير منهم في آخر المطاف، وتَمنَّى لو عادتْ به الحياة، فعاش راضيًا مرضيًّا، وكمْ تَمنَّى كثيرٌ من الناس - بعد أن رحَل خصومُهم إلى الدار الآخرة - أن لو أُتيحتْ لهم فرصةُ السماح والمسامحة، ولكن لم يُدْرِك أحدٌ منهم أحدًا!
 
♦ مصاحبة الصالحين الأخيار من الأمور التي لا تُتْرَك، فانتبه وأدْرِكْها، فكل صالحٍ هو لك غنيمةٌ، وقد يطرأُ عليك أو عليه نقلةٌ فلا تَقدِر على لقائه أو مجاورته، وقد يَزورك أو يزوره الموت، فتكون عنه أشدَّ بُعدًا، وتذكَّر قوله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾ [الكهف: 28]، فإذا ما صحِبتَه تذكَّرتَ قول المولى: ﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف: 67]، أدْرِك هذا؛ فإنه مما لا يُتْرَك أو يؤخَّر، فقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إني أُحِبُّ فلانًا في الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فأخبرتَه؟))، قال: لا، قال: ((فأخْبِرْه))، قال: فلقِيه بعدُ، فقال: والله إني لأُحِبُّك في الله، قال: فأَحبَّك الذي له أحبَبْتَني[9].
 
أدرِكْه كي تدركَ الخير والفضيلة والتعاونَ والدعوة الصالحة.
 
♦ الكلمة الطيبة من الأمور التي لا تُتْرَك، فانتبه وأَدرِكْها، وتذكَّر أن الكلمة الطيبة صدقةٌ، فهل تبخَل على نفسك بصدقاتٍ لا تُكلِّفك شيئًا! أدْرِك مواقفَك كلَّها بالكلمة الطيبة، فقد لا يُعاد عليك موقفٌ، أَخرِج من لسانك أحسنَ ما فيه، تَغنَمْ وتَسْلَمْ، واعلَم أنه لا يَحصُد أيُّ امرئٍ سفيه القولِ أو شديدُه، إلا بُغضَ الآخرين، ثم الندامة على ما فات، وتَمنِّي عودة الزمن ليقول طيِّبًا.
 
♦ موضع الصنيعة من الأمور التي لا تُتْرَك، فانْتَبه وأدرِكْها...
حينما ترى شخصًا هو لصنيعتك أهلٌ، فبادِر بالصنيعة، وتذكَّر - إن لم تفعلْ - أن الموقف لن يتكرَّر، والحاجةَ قد تُقْضى على يد غيرك، وصاحِبَها قد يمضي إلى حيث لا تجده أو تراه، ولن يَبقى لك غير الندم على ما فات، وتمنِّي الإدراك.
 
♦ مواسم الخير وأوقات الطاعة، وأوقات الدعاء المرجوَّة - من الأمور التي لا تُتْرك، فانْتَبه وأدرِكْها، وتذكَّر أن العُمر يَمضي، والساعة الحاسمة قادمةٌ، فتزوَّد مما لا بدَّ منه، واعلَم أن هناك مِن عباد الله مَن يتحيَّن الفُرَصَ، وينتظرها بفارغ الصبر، فكن واحدًا من هؤلاء قبل فوتِك أو فواتها.



[1] مسلم، (1 /556).


[2]صححه الحاكم في المستدرك (4 /7846).


[3] البخاري - الفتح  10 (5989)، ومسلم، (2555).


[4] البخاري - الفتح 10 (5986)، ومسلم، (2557).


[5] النساء 19.


[6] البخاري (853)، ومسلم (1829).


[7] الترمذي (1943)، وأبو داود (5152).


[8] البخاري (6237).


[9] أبو داود (5125)، وصحيح ابن حبان (571).

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢