أرشيف المقالات

عمرة في رمضان تعدل حجة

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2عمرةٌ في رمضان تعدِل حجة
 
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد:
من بركة هذا الشهر المبارك أنه كان موسمًا لكثيرٍ من الأعمال الصالحة من صيام وقيام وزكاة وذكر، وغيرها كثير، ومن جُملة ذلك عمل منسك العمرة، فهو من العمل الصالح في هذا الشهر المبارك، وحول هذا المنسك للعمرة في شهر رمضان، سيكون الكلام ضمن النقاط التالية:
الأولى: دل الدليل على فضيلة هذه العمرة في رمضان؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم لبعض نسائه: (إذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإن عمرة في رمضان تعدِل حجة)، وفي لفظ: (تعدل حجة معي)؛ أخرجه مسلم، وفي هذا فضل عظيم لهذه العمرة في هذا الشهر.
 
الثانية: عندما تُنفق على عُمرتك وحجتك مالًا، فلا تستكثره ولا تخشَ فاقةً أو فقرًا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد)؛ رواه البخاري.
 
فهي نفقة مخلوفة، وفي الحديث السابق دعوة صريحة لأولئك الذين هم مِن المقلين من الحج والعمرة، فتجد أحدهم حجَّ واعتمر فرْضَه فقط، ولكنه يذهب إلى كثير من البلدان، ويُنفق فيها النفقات الكثيرة، وأما مكة فهو يحتج بأن الفرض قد سقط عنه، وهذا صحيح لكن المتابعة بين الحج والعمرة مطلوبة، ولِما يصحبهما من الأعمال الصالحة الأخرى، وأيضًا في الحديث السابق من جهة أخرى دعوة صريحة للذين كبُرت سنُّهم وهم لم يؤدوا فريضة الإسلام في الحج والعمرة، وهؤلاء إن كانوا مستطيعين فهم على خطر عظيم.
 
الوقفة الثالثة: إذا ذهبت إلى أداء العمرة، فاعلَم أنك في مكان فاضل وفي زمن فاضل، فاستثمر وجودك في تلك البقاع الطاهرة بكثرة الأعمال الصالحة منوعًا بينها؛ حتى لا يُصيبك سأم أو ملل، وتذكَّر دائمًا أن الفرصة قد لا تدوم، وأنه يتعيَّن استثمارها، وأن بقاءك في مكة هو وقت محدود، فخُذ نصيبك بقوة وعزم.
 
الوقفة الرابعة: إن برنامجك الذي تجعله لنفسك في تلك البقاع الطاهرة، يجب أن يكون مدروسًا ومتنوعًا وشاملًا للجد والراحة، فانظُر العبادات الفاضلة مبتدئًا بالصلاة فرضها ونفلِها؛ حيث إنها بمائة ألف الصلاة، فاجعل لك نصيبًا وافرًا من النوافل المطلقة والمقيدة، ثم برنامجك مع الطواف، فالصلاة والطواف فرصتك في مكة نظرًا للمضاعفة، واجعل ضمن برنامجك الصدقة ولو بالقليل الدائم، فهو خيرٌ كثير، واجعل من ضمن برنامجك العبادة التي أمر الله بالإكثار منها، وهي ذكر الله تبارك وتعالى، فلا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله تعالى في ذهابك وإيابك، واعلَم أنك مسافر، فعليك بالإكثار من الدعاء، فأنت في مدة سفرك تخوض في ساعة الإجابة، فادعُ قائمًا وقاعدًا وعلى كل حال، فما تعلم متى تكون الإجابة، واجعل من برنامجك جدولًا لقراءة القرآن، فهو من أوسع الأبواب لكسب الأجور والحسنات، فهذه أعمال صالحة يشترك فيها الناس جميعًا، وضع معها ما تراه مناسبًا لطبيعتك.
 
الوقفة الخامسة: أن تخصيص ليلة 27 في العمرة ليس عليه دليل، فعلى أولئك الذين يتقصدون تلك الليلة بالعمرة لو أدَّوها في غيرها براحة وطمأنينة وسكينة، لكان أولى وأكثر حضورًا لقلوبهم خلال عملهم.
 
الوقفة السادسة: بعض الناس قد يكرر العمرة أكثر من مرة في سفرة واحدة، وهذا موضع خلاف بين أهل العلم، فمنهم من يُجيز ذلك ومنهم من يمنعه، ولكنهم لو أنهم اعتمروا عُمرةً واحدة ثم بدل أن يُكرروا العمرة، يُكثرون من الطواف على الكعبة، لكان هذا موضع اتفاق بين أهل العلم، والطواف أجره عظيم وثوابه جزيل، وليُكثروا أيضًا كذلك من الدعاء، فهذا أيسر من وجه وموضع اتفاق من وجه آخر.
 
الوقفة السابعة: تعرَّف على أحكام العمرة ومسائلها جيدًا قبل ذهابك إليها، فاقرأ واسأل حتى تكون العبادة على الوجه الصحيح، فما أكثر ما يقع من الأخطاء بسبب الجهل بأحكام العمرة، وقد تبطُل عُمرته وهو لا يشعُر، فحاول جاهدًا أن تُحدد شيئًا من وقتك قبل مجيئك بالتفقه في أحكامها وأعمالها.
 
الوقفة الثامنة: إياك وتقليد الناس في بعض أفعال العمرة وأقوالها، فليس كل من حولك علماء، أو يعرفون أحكام الشرع، فلا تُقلد أحدًا فعَل شيئًا تجهله، فلربما كان فعله خطأً، فتكرر أنت الخطأ نفسه، ولكن تعرف على الحكم والفعل الصحيح بالسؤال عنه.
 
الوقفة التاسعة: من البدع في العمرة التمسح بالمقام أو بالكعبة، أو جدران الحرم أو أبوابه، ونحو ذلك، وهذا جهل قد يكون شركًا أو سببًا إلى الشرك، ولا يُستلم من الكعبة إلا الركن اليماني، ولا يُقبل منها إلا الحجر الأسود فقط، وقال بعض أهل العلم بلزوم الملتزم وهو ما بين الحجر والباب، وقد ورد في الحديث أن استلام الركن اليماني وتقبيل الحجر الأسود يَحُطان الخطايا حطًّا.
 
الوقفة العاشرة: عليك بغضِّ البصر في تلك الأماكن، فأنت في شهر مبارك وفي مكان فاضل، وقد ترى ما لا يحل النظر إليه، فعليك بغضِّ بصرك، وستجد حلاوة ذلك إيمانًا في قلبك وثوابًا في ميزانك، وأما إن أطلقت بصرك، فأنت على خطر من الفتنة.
 
الوقفة الحادية عشرة: لا تنسَ أنك في مكة، فأنت من ضيوف الرحمن، وأنك من وفد الله تبارك وتعالى، وقد ورد في الحديث: (الحُجاج والعُمار وفد الله دعاهم فأجابوا، وسألوه فأعطاهم)، فاستشعر هذا خلال عباداتك كلِّها.
 
الوقفة الثانية عشرة: كن سمحًا هينًا في دخولك وخروجك وذهابك وإيابك، فإن الزحام تظهر فيه الأخلاق الحسنة والسيئة، فلا تؤذ أحدًا، ولا تُشمت بأحد، ولا تسب غيرك، بل إذا رأيت ذا عاهة خَلقية أو خُلقية، فقل: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضَّلني على كثير ممن خلق تفضيلٍا، ولا تُظهر الشماتة بأخيك، فيُعافيه الله ويبتليك، وكن إيجابيًّا في مثل هذه المواطن.
 
الوقفة الثالثة عشرة: عند حصول الخطأ في أداء العمرة أو غيرها من العبادات، فلا تتأخر عن السؤال أو تُهمله، فإن سؤالك هذا من طلب العلم، وأنت مأجور عليه، وفيه تصحيح لعملك، فإن نقاط الفُتيا مبثوثة ومنتشرة في نواحي المسجد الحرام، ولله الحمد والمنة، وذلك عن طريق الهاتف، وجميل أن يكون معك أرقام لبعض أهل العلم؛ حتى تسألهم عن كل ما أشكَل عليك في مكة وغيرها.
 
الوقفة الرابعة عشرة: البعض من الناس قد يذهب لأداء العمرة ويترك ذريَّته بلا رقيب ولا عتيد، وهذا لا شك أنه خطأ تربوي، فهؤلاء الذرية هم أمانة في عُنق وليِّهم، عليه أن يصحبهم ويجتهد في وضع برامج تناسبهم، أما تركهم ولا يعلم عنهم شيئًا إلا مع وجبات الطعام ونحوها، فهذا نقص في التربية، بل إن وجودهم هناك فرصة لتطبيق تلك البرامج المرسومة لهم.
 
الوقفة الخامسة عشرة: على المعتمر أن يحرص على أداء السنن في تلك العمرة، ولا يُهملها سواء في طوافه وسَعْيه، أو غيرهما؛ لأن هذه السنن مُكملاتٌ للعمل، كما أن عليه أن يُشغل لسانه خلال طوافه وسَعْيه بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، منوعًا بينها إن خشي الملل والسآمة، فهو في طوافه وسعيه في ساعات الإجابة وأوقاتها، وليستشعر حاله التي هو عليها في هذا اللباس متواضعًا خاضعًا لله ربِّ العالمين، فإنه أحرى وقريب من الإجابة والقبول.
 
أخي المعتمر، احرِص على الاستفادة من الدروس العلمية في المسجد الحرام خلال مُكثك هناك، فهي مجالس خيرٍ وعلم يزول بها الجهل، ويزيد بها العلم، وحاوِل نفْعَ الآخرين وإرشادهم إذا تاهوا، فإن بعضهم قد يكون لأول مرة يأتي إلى مكة، فكُن مبادرًا وساعِد العجزة والمساكين، فإن الله يكون في عونك، وأكثِر من السلام في ذهابك وإيابك، فإن لك به أجرًا عظيمًا، وحاول المُكث في المسجد الحرام بعد الصلوات وقبلها؛ لتحظى بدعوات الملائكة لك بالمغفرة والرحمة وغيرهما، واعلَم أنك في مكان يتمناه الملايين من الناس الذين عجزوا عن المجيء إلى هذا المكان لظروف صحية أو مالية أو غيرها، فاحمد الله واشكُره، واستثمر وجودك بأنواع الطاعات.
 
تقبَّل الله من الجميع أعمالهم، وأصلَح نيَّاتهم وذريَّاتهم، وإلى حلقة أخرى.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١